مر معنا في تقديمنا لهذا البحث أن علم الوقف والابتداء علم مهم، به تعرف معاني القرآن الكريم من خلال معرفة مواطن الوقف والابتداء بما يتفق مع وجوه التفسير، والقراءة، وصحة اللغة، واستقامة المعنى، فحينئذ يتحقق لطالب العلم فهم كتاب الله تعالى، وبذلك تُعرَفُ مقاصدُ القرآن الكريم، ويظهر إعجازه، وتتضح معانيه، وتستعد القوة المفكرة للغوص في بحر علومه، والحصول على درر فوائده [1] .
فمثلًا في قوله تعالى: (قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين) [2] ، إذا وُقف على: (فإنها محرمة عليهم أربعين سنة) كان المعنى: أنها حرمت عليهم هذه المدة، فيكون (أربعين سنة) ظرفًا للتحريم، وإذا وقف على (فإنها محرمة عليهم) ، كان المعنى: أنها محرمة عليهم أبدًا، وأنهم يتيهون أربعين سنة، فيكون (أربعين سنة) ظرف زمان للتيه، فيُرجَع في هذا إلى التفسير، ويكون الوقف بحسب ذلك [3] . وكذلك في قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أنّ النفسَ بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص) [4] ، ويكون تمام الوقف على: (قصاص) عند من نصب: (والعينَ) وما بعدها، عطفًا على: (النفسَ) ، وجعل: (قصاص) خبر (أنّ) ، وهي قراءة: نافع وعاصم وحمزة والأعمش، ومن قرأ: (والعينُ) بالرفع، ورفع ما بعدها، فالوقف عنده على: (أن النفس بالنفس) ، وهي قراءة الكسائي، ويكون المعنى على هذه القراءة: أن (والعينُ بالعين ... ) بالرفع: ابتداء حكم في المسلمين، وبجعل ما
(1) انظر: جمال القراء 2/ 553، والتمهيد 166، ولطائف الإشارات 1/ 249، والوقف والابتداء للغزال 1/ 22.
(2) المائدة، الآية 26.
(3) انظر: القطع 95، 96، والجامع لأحكام القرآن 6/ 130.
(4) المائدة، من الآية:45.