ومما يميّز تفسير الإمام القرطبي - رحمه الله - أنه يذكر في ثنايا المسائل الفقهيّة في تفسيره ما أجمع عليه العلماء أو ما اتفقوا عليه، وقد لاحظتُ ذلك كثيرًا عند قراءتي لتفسيره
ومن الأمثلة على ذلك قوله في المسألة الثالثة في آيات الصيام: (( اتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيّت الفطر، لأن المسافر لا يكون مسافرًا بالنية بخلاف المقيم، وإنما يكون مسافرًا بالعمل والنهوض، والمقيم لا يفتقر إلى عمل، لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحين، لأن الإقامة لا تفتقر إلى عمل فافترقا.
ولا خلاف بينهم أيضا في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج، فإن أفطر فقال ابن حبيب: إن كان قد تأهب لسفره وأخذ في أسباب الحركة فلا شيء عليه، وحُكي ذلك عن أصبغ وابن الماجشون )) [1]
فهو هنا كأنه يُحرر محل النزاع في المسألة فيذكر ما أجمعوا واتفقوا عليه ثم يذكر ما حدث فيه الخلاف.
ومثله قوله في آيات القتل في المسألة العاشرة: (( ولا خلاف بين العلماء أن الجنين إذا خرج حيا فيه الكفارة مع الدية، واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتا، فقال مالك: فيه الغرة والكفارة، وقال أبو حنيفة والشافعي: فيه الغرة ولا كفارة ) ) [2]
ومن الأمثلة ما ذكره في المسألة الثالثة من آية الإحصار في الحج حيث قال: (( أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه محرم، وإنما منع من ذلك من رأى الإحرام عند الميقات أفضل، كراهية أن يضيق المرء على نفسه ما قد وسع الله عليه، وأن يتعرض بما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه، وكلهم ألزمه الإحرام إذا فعل ذلك، لأنه زاد ولم ينقص ) ). [3]