هذه العقلية الأوروبية التي نشأت وترعرعت على حب السيطرة والنفوذ، والتي ترى نفسها متفوقة، لا تقبل بمنطق الضعفاء الذين يطالبون بحقوقهم عن طريق الرجاء والتمني أو عن طريق المنظمات التي أوجدها الأوربيون، نعم يمكن أن يستجيبوا إذا علموا أن وراء الكلمة قوة تحميها، وتصميم لا مواربة فيه ولا التواء، يقول الأديب الكبير محمود محمد شاكر: «وقد مضت العبر بأن هؤلاء القوم لا يكادون يفهمون إلا اضطرارة وبالقهر والغلبة، فمن العبث أن ندعو هؤلاء القوم إلى سواء بيننا وبينهم، لأن القوة قد أسكرنهم فأطاشت حلومهم، وتركتهم لا يدركون إلا ذلك المعنى الخسيس للحياة، معني الفائدة العاجلة بغير نظر إلى عدل ولا نصفة، ومن العبث أن نحتال عليهم بما يسمونه السياسة، فالقوي وحده هو الذي يعرف كيف يستفيد من السياسة» (1) .
لا يطيق الأوربي رؤية حضارة منافسة لحضارته، وإذا اضطره الأمر فإنه يقبل بالهندوسي أو البوذي، ولكنه لا يقبل بالمسلم، ذلك لأنه يملك دينا يعطيه حضارة متميزة، ونظرة للحياة تغاير نظرة الغربي. وبعد سقوط الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفيتي تأكد لدى الغرب أكثر من ذي قبل أن حضارته الرأسمالية الديمقراطية هي الحق، وما عداها هو الباطل، وكتب المتأمرك (فوکوياما) الياباني الأصل كتابه: نهاية التاريخ، ليقول: إن النمط الغربي لتنظيم شؤون الحياة هو الذي سيسود العالم ولن يأتي شيء بعده.
1 -مجلة الرسالة، العدد 730 م 15/ 722.