بينا يتحول المحيط الأطلسي إلى البحر المتوسط، الجديد. ومع هذا الانقلاب انقلب التوجيه الجغرافي للقارات والأقاليم، فقلبت القارات بطنا لظهر نطلعا إلى المحيط، وانحدرت قيمة دول ومواني البحر المتوسط لتنتقل الزعامة إلى دول ومواني غرب أوربا (1) .
رابعا، ومن الناحية السياسية، أصبح الوقوع على البحار - البحر المحيط - ميزة كبرى تتمتع بها الدول الساحلية وتجني حصادها الثري الفياض، فبدأ عصر الإمبراطوريات البحرية العظمى، بينما أخذت الدول الداخلية القارية تتجاذب إلى مغناطيسية البحر كما لو بقدرية ميكانيكية قاهرة. وبمعنى آخر اشتد مغزى الصراع بين قوى البر والبحر كما وكيفا، أبعادا وأعاقا. ولهذا فمن الآن فصاعدا وإلى أبعد حد، ستزيغ معادلة الصراع بين البر والبحر كل معادلات الصراع الأخرى كالاستبس والغابة، والسهل والجبل، والرمل والطين، التي كانت تشاركها تفسير التاريخ البشري، لتصبح هي وحدها قطب الرحى في الاستراتيجية العالمية. بل سنجد الصراع بين الاستبس و الغابة بالذات يتحول نهائيا ليأخذ شكل الصراع بين البر والبحر.
دور أوربا الغربية ذلك جميعا هو مغزى الكشوف الجغرافية، ولكن السؤال المنطقي قبل أن نتتبع خطي الكشوف هو: لماذا خرجت أوربا - وأوربا الغربية - بالذات في ذلك التاريخ بعينه؟ لقد تحرك قطب الحضارة البشرية ومركز الثقل في القوة السياسية العالمية حركة تاريخية محددة، وئيدة ولكنها أكيدة، عبر العصور القديمة والوسطى، حتى اتضحت بجلاء على أبواب عصر الكشوف إلى أن تبلورت تماما مع الانقلاب الصناعى. فالحضارة نشأت في دائرة الشرق الأوسط القديم، مصر والعراق وفينيقيا، ثم انتقلت إلى كريت فاليونان فروما، وعشية الكشوف جاء دور غرب أوربا، جنوبه أولا ثم شاله.
هناك إذن سهم حرکي واضح يبدأ من الجنوب الشرق إلى الشمال الغربي، ومن عروض دون مدارية إلى عروض معتدلة باردة. هذا ما يعرف في مجموعه بنظرية هجرة الحضارة نحو الشمال، بعيدا عن خط الاستواء، وتجاه القطب (3) . والمسلم به علميا