الصفحة 96 من 474

تلك الفترة خرجت أوربا تضرب في المجهول، فعادت تحمل إلى العالم عالما جديدا بل عوالم جديدة. ومن الصعب علينا في القرن العشرين أن نقدر حفا مدى ضخامة ووقع الهزة التي أحدثها هذا الكشف في وقت كانت رقعة المعمور المعروف محدودة ثابتة لاتكاد تتغير، ثم فجأة وفي عالم متمدد بأقصى سرعة تضاعف العالم عدة مرات. وربما لايعدل تلك الطفرة في عالم الإنسان شيء من قبل إلا كشف الزراعة، ولا من بعد إلا غزو الفضاء.

بل وكما نشهد اليوم انقلابا في الاستراتيجية العالمية مع عصر الفضاء، قلبت الكشوف الجغرافية استراتيجية العالم القديم من صميمها. فأولا، مع اتساع أبعاد العالم اتسعت أبعاد الصراع بين القوى وخرج الاستعار لأول مرة عن دائرتة التقليدية المغلقة حول حوض البحر المتوسط وتخومه و انتقل من عروضه المألوفة إلى عروض مختلفة كل الاختلاف نحمل معها بيئات مغايرة جدا، ومن الناحية العملية قفز الاستعار من عالم متناه إلى عالم لامتناه، وبعد أن كان محليا أو إقليميا أساسا أصبح عالميا کوکيا تماما.

ثانيا، بعد أن كانت السياسة والاستراتيجية تتحرك في عالم مسطح أفقي أو إقليدي، بكل معنى الكلمة، أصبحت تتفاعل في وسط و ريماني، Riemannian لا إقليدي، وسط کروي مجسم، ولم يعد للمكان يمين وشمال فحسب، بل وخلف وقدام أيضا. ولاشك أن أعظم حقيقة تمخضت عنها الكشوف هي وحدة المحيط. فقبلها كان العالم المعروف بتألف من بابس واحد ومحبطين اثنين، أما بعدها فقد أصبح العالم يتألف من محيط واحد و با بس متعدد (1) . ولم يكن بد من أن برج هذا كل قيم المواقع الجغرافية الاستاتيكية الموروثة حتى النخاع، وأن يهز العلائق المكانية التقليدية والنسب الجيوماتيكية geomantic بين القارات والأقاليم والدول، فما كان منها بالأمس بؤريا مركزيا قد صار اليوم هامشيا متطرفا - والعكس.

ثالثا، كان أخطر مظاهر هذا الانقلاب الجيوماتيکي بروز أهمية المحيط إلى الصدارة. فقد خرج العالم القديم إلى المحيط واتسع نفس الحركة البشرية بعد أن كانت محدودة بالمرحلة البحرية thalassic . فضاعت أهمية البحار الداخلية المغلقة وبرزت أهمية البحار المحيطية epi - continental . فإذا بالبحر المتوسط والبلطيق، ولكن الأول خاصة، يفقد كل منها أهميته التاريخية، ليصبح الأول زقاقا مغلقا والثاني بركة صيد آسنة bering pond ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت