الفصل التاسع
امتداد صراع القوى
ألمانيا
الأساس الطبيعي والتاريخي
لم تحقق ألمانيا وحدتها القومية إلا في مرحلة متأخرة للغاية هي السبعينات الماضية، ولهذا كانت آخر القوى العظمى التي ظهرت على المسرح الأوربي والعالمي. ولقد تأخرت تلك الوحدة لأسباب تاريخية معقدة غذتها من خلف أسباب جغرافية لاتقل تعقيدا. فبحكم موقعها المتوسط في وسط أوربا تلقت تأثيرات عديدة وأحيانا متعارضة، أو على الأقل شكلت أجزاءها المختلفة بطوابع وتوجيهات مختلفة. وأكد اللاندسكيب الطبيعي، الذي تقطعه الجبال والهضاب والغابات والمستنقعات إلى وحدات وأحواض وجيوب منفصلة لاتخلو من عزلة. أكد تلك الطوابع المحلية المختلفة.
ولعل أبسط مظاهر هذه الفروق أن الشمال السهلى ارتبط بالبروتستانتية، بينها ظل الجنوب الهضبي کاثوليكيا، مما عمق الصراعات الدينية .. والسهل الشمالى نفسه كجزء من و الممر الفاري الأوربي العظيم Durchgangsland, أصبح دهليزا تكتسحه الموجات البشرية من هجرات وغزوات جيئة وذهابا، ذات اليمين وذات الشمال. ومرة أخرى لعل أبسط مظاهر هذه الحركة البندولية ذلك المد و الجزر التاريخي بين السلاف في الشرق والتيوتون في الغرب، والذي وصل بالسلاف حتى منطقة برلين وبالتيوتون حتى ضفاف الفولجا. وقد كانت النتيجة تداخلا شنيعا في التوزيعات الإثنولوجية، ظهر في شكل أقليات عديدة في التخوم والأطراف تنتشر كالجزر في كل شرق أوربا، ووضع أساس الصراع التاريخي الرهيب بين عالم السلاف وعالم الجرمان، وهو الصراع الذي سيلعب دورا خطيرا في استراتيجية ألمانيا بعد الوحدة الحديثة (1) .
(1) فيرجريف ام 20 - 221،