الفصل السادس
الانقلاب الصناعي والاستعمار
عالم جديد
إن يكن الانقلاب التجاري قد کشف عالما جديدا، فقد خلق الانقلاب الصناعي عالما جديدا وفرق بين الكشف والخلق كبير، ومهما حاولنا فلا يمكننا المبالغة في خطورة ونتائج الانقلاب الصناعى، و يكفي أن تاريخ البشرية كله قبل الصناعة وحدة واحدة. و بعده وحدة أخرى بذاتها (1) . فالانقلاب إذن أخطر نقطة انقطاع في تاريخ الإنسانية، ولعله كذلك في تاريخ الاستعمار وسياسة القوة.
وإذا كان الإنقلاب الميكانيكي في القرن الثامن عشر هو الذي يمهد مباشرة للانقلاب الصناعي، فإن له أيضا جرائم في الانقلاب التجاري الذي سبق الاثنين في القرن الخامس عشر، فإن مكاسب المستعمرات و اقتصاديات الركائتليه الجديدة خلقت بالتدريج في أوربا البيئة والظروف التي ساعدت على تفريخ الانقلاب الصناعى. وهكذا يبدأ الانقلاب في بريطانيا حوالي 1820 لينتقل إلى فرنسا في العقد الثالي 1830، ثم لينتشر بعد ذلك شرقا عبر القارة خلال القرن.
والانقلاب مركب حضاري کامل برمته ولم يخلق علا وفنا وتكنولوجيا جديدة فحسب، ولا اقتصادا جديدا وكلي، بل ومجتمعا جديدا وجيوبوليتيك جديدا تماما. و إذا كان هيكل الانقلاب يتلخص في أنه عصر الفحم والحديد، والبحار والقطار، فهر بنفس القوة والأهمية عصر السفينة البخارية والمواصلات السلكية واللاسلكية، أي المواصلات المكانية واللامكانية، كما انتهى إلى أن يكون عمر الطيارة في الجو والغواصة في الأعماق، وقد ترتب على هذا كله ثورة جذرية في النقل والمواصلات، فتقلص العالم