الفصل الحادي عشر
ثورة التحرير
إنها المفارقة من الجغرافيا مثيرة أن يستطيع مليونان ومائتا ألف ميل مربع هي كل مساحة غرب أوربا أن تنشر نفوذها وظلها وأن تفرض استعارها على أكثر من سبعة وخمسين مليون ميل مربع هي مساحة العالم العمور وغير المعمور، وذلك في أقل من خمسمائة عام (1) ! ولا تقل غرابة عن ذلك جزئيات الصورة: فغداة الحرب الأخيرة كانت بريطانيا تملك قدر مساحتها 12 مرة، وفرنسا 22 مرة، أما هولندا فنحو 07 مرة، وبلجيكا و مرة، وإيطاليا 19 مرة.
ويمكن على أساس الموقع من منحنى التطور الاستعاري أن نصنف القوى الاستعارية في ذلك التاريخ إلى أربع طبقات أو فئات (2) . فثمة أولا و القوى العتيقة،، بدأت الاستعمار في أوائل عصر الكشوف، ولكنها بقدر ما تعاظمت في البداية تضاءلت في النهاية وأزاغتها القوى الأحدث، فأصبحت إمبراطورينها حفرية fossil empire ونوعا من الاستعمار المتخلف residual الفتت. ومن المتفق عليه أنها كانت قد أصبحت أعجز في حقيقتها من أن تملك إمبراطوريات، وأن كياناتها الإمبريالية ليست إلا سخريات سياسية، بل لقد عد بعضها رجل أوربا المريض الجديد. هنا تأتي البرتغال وإسبانيا وإلى حد ما هولندا.
إلى ذلك والقوى العتيدة، وهي أحدث من العتيقة دخولا إلى الاستعمار، ولكنها أقدم وأخطر دول أوريا توحيدا وتصنيعا وقوة. ولذا كانت أكبر قوي استعمارية ظهرت في التاريخ الحديث وتمثل الاستعمار الكلاسيكي أو الراديكالي بكل ما أصبح
(1) هويتلزي: 89
(2) جمال حمدان، الاستعمار والتحرير في العالم العرق، 32.