حين يكتب مؤرخو المستقبل تاريخ هذا القرن، فأغلب الظن أنهم لن يملكوا إلا أن يعتبروا نهاية الحرب العالمية الثانية - قل بالتقريب منتصف هذا القرن - خط تقسيم
جوهريا وجبهة افتراق عميقة في التاريخ الحديث جميعا، لا تقل خطرا ولا مغزى عن فترة الكشوف الجغرافية أو الانقلاب الصناعى. ففي تلك الفترة المضغوطة زمنيا، المفعمة تاريخيا، اجتمع - كأنما على ميعاد - انقلابان حافلان مذهلان: ثورة التحرير، والانقلاب النووي. الأول ثور المناخ السياسي في العالم برمته، والثاني قلب قوانين الاستراتيجية الكوكبية رأسا على عقب. ونحن في معنى حقيقي جدا نعيش اليوم في عالم جديد - كدت أقول في كوكب جديد - خرج من رحم عالم الصناعة والاستعمار، ولكنه بنفس الدرجة خرج عليه.
وفي الجيولوجيا والبيولوجيا، كما في التاريخ، أن مسار التطور يظل عادة رئيبا تقليديا كالخط المستقيم أو كالمنحنى الانسيابي، ثم إذا به يتفجر فجأة في ثوران بركاني قصير ولكنه عنيف يغير تضاريس الوجود ومعالم الزمان ويضع ملامح العصر وتوازناته ويحددها لأمد بعيد، ومعها يعود إيقاع الحياة رتيبا تقليديا مستقرا، حتى تبدأ الدورة الانفجارية من جديد، وهكذا. تلك هي النظرية النكبائية catastrophism في العلم الطبيعي)، والنظرية الثورية في العلم الاجتماعي. وما نحن بحاجة فيا نحسب إلى سيسموجراف تاريخي أو بارومتر سياسي لندرك أننا نركب اليوم في موجة عاتية من موجات التاريخ الانفجارية، زلزلت تضاريس السياسة العالمية، وخلقت طبوغرافية جديدة للاستراتيجية الكوكبية. ومن هنا تبدأ ...