الصراع الذي يعيشه عالم اليوم، هذا الذي يتمزق بين كتل العقائديات المتناقضة، وقوى التحرير الفوارة، ورواجع الماضى المتربصة، ما نمطه الإقليمي - إن كان ثمة نمط - وما أصوله التاريخية؟ وهذه التطورات العميقة التي يشهدها توزيع القوى والأوزان السياسية بين الدول والكتل والقارات، وهذه الانقلابات الكاملة في الاستراتيجية الكوكبية في ظل العصر النووي، هل هي تحولات أو تحويرات للإضي بدرجة ما، أم هي
طفرات بكر تماما في تاريخ البشرية؟ إلى أين يتجه نمط توزيع القوى السياسية والاستراتيجية في مستقبل سيخلو من الإمبراطورية واحتكار القوة والعلم وقد تنتشر فيه الأسلحة النووية انتشار الحضارة والتكنولوجيا الحديثة ذاتها؟ وما احتمالات المستقبل بالنسبة لسياسة وليدة كعدم الانحياز، ولقوة جديدة كالعالم الثالث؟
قد لا يكون من الصعب أن نرى نمط القوة العالمية المعاصريتنفد - قاعديا - في هيكل ثلاثي يبدأ من كتلة قديمة غربية رأسمالية استعمارية، يمر بكتلة أحدث شرقية اشتراكية تقدمية، حتى ينتهي بقوة - وليس بكتلة - أشد حداثة وأميل إلى الاشتراكية بقدر أو بآخر، ولكنها تمتاز أساسا بأنها متخلفة اقتصاديا، حديثة الاستقلال والتحرر سياسيا. ولكن ألم تكن الصورة تقتصر، حتى الحرب العالمية الثانية فقط، على قطى القوتين الأوليين وحدهما؟ بل أليست قوة المعسكر الشرقي ذاتها، بالقياس إلى القوة الغربية المخضرمة، طارئا حديثا نسبيا لا يتعدى الحرب العالمية الأولى بصرامة؟
النمط إذن حديث، أو هكذا يبدو على السطح، وهو على كل حال متطور سريع التغير. ولكن - تحت الجلد - هل هو منفصل حقا عما سبقه من تاريخ و إن الذي يستقرئ مراحل التاريخ السياسي والاستراتيجي المتعاقبة يجبهه - وهو جدير أيضا بأن يروعه - دالما أو غالبا نمط ثلاثى منوائر لصراع القوى قد يختلف عن المط المعاصر في التفاصيل والظلال