الصفحة 330 من 474

وكنتيجة لهذا جميعا فقد ظلت ألمانيا بلا قلب و بلا حدود: بلا قلب، لأنها لم تعرف عاصمة بؤرية غلابة. بل هاجرت فيها العواصم عبر التاريخ على طول الحدود عامة من الغرب إلى الشرق. وبلا حدود، لأن الأنسياح والجميع البشري جعل تخومها مختلطة السكان غير واضحة المعالم، ومثل هذا إنما هو نمط مضاد للوحدة. والواقع أن ألمانيا في هذا الصدد كانت في وضع أسوأ من إيطاليا التي وصفت بأنها لم تكن إلا تعبيرا جغرافيا. فإذا كانت إيطاليا بلا قلب سياسي واضح، فقد كان لها على الأقل حدود جغرافية حاسمة. أما ألمانيا فلم تكن تعبيرا سياسيا ولا جغرافيا.

في هذا الاطار ورثت ألمانيا الإمبراطورية الرومانية المقدمة الصورية منذ أنشأها شارلمان حتي حطمها نابليون. وقد قلنا صورية لأنها لم تكن أكثر من تجمع متميع شکلي مفكك من مئات من الوحدات السياسية المنفصلة التي تتراوح بين وحدات ميكروسكوبية ووحدات اقليمية ضخمة: دول مدن قزمية، مقاطعات اقطاعية، أحلاف تجارية. أسقفيات كنسية، ملك أسرية .. الخ. وقد ثبتت الصراعات والوراثات الأسرية بوجه خاص هذا المط الفسيفسالي الحفرى. وحتى نهاية القرن الثامن عشر كان عدد الوحدات السياسية الألمانية يزيد على الثلاثمئة. وإذا كان هذا النسيج الهلهل قد اختزل في أوائل القرن التاسع عشر إلى نحو العشر (39 وحدة) : فقد ظل أبعد شيء عن الوحدة.

غير أنه حدث أن استطاعت بروسيا، من نواة أولية في براندنبرج و بعد تاريخ خطر من المدد والانكماش. أن تتوسع منذ القرن السابع عشر حتى أصبحت أقوى وأضخم وحدة في ألمانيا، وهذا رغم أنها تعد أصلا من أراضي التخوم الشرقية الفقيرة جغرافيا Marks والتي لم تدخل المحيط الألماني وفلك الحضارة إلا متأخرة تاريخيا، فبدأت تجمع ألمانيا في اتحاد جمرکي - الزولفرين الشهير Zolverein - يزيل الحوائط و الصينية، والحواجز الاقتصادية غير المعقولة التي تفتتها. وكان الزولفرين بهذا خطوة حقيقية نحو الوحدة السياسية و التي ستأنى ضد رغبة وفي وجه مقاومة ومناورات كل الدول الأوربية الكبرى القائمة (1)

(1) جوردون ايست امي 211 وما بعدها، 427.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت