الوحدة الألمانية فمن البداية، كانت طفرة بروسيا بسمارك نحو الزعامة تحديا للنمسا ذات التاريخ العريق، فكان صدام الأقدار بينهما الذي انتهى بهزيمة المسا. ومن ثم انفتح الطريق إلى الوحدة الألمانية، التي بدأت باتحاد فيدرالي للشمال اتسع بعدها ليشمل الجنوب ولكن بغير النمسا. كذلك ظلت كتل ووحدات المانية كثيرة خارج دولة الوحدة، لأنها تبلورت من قبل على تنظيم سياسي منفصل بحكم ظروفها الجغرافية أو التاريخية مثل أجزاء من سويسرا والأراضي المنخفضة، وسيكون لهذه «الأقليات، وغيرها خارج الرايخ دورها الخطير في تحديد دور ألمانيا الاستراتيجي فيما بعد.
وقد اتفق نمو الوحدة الألمانية مع عدة تطورات تكنولوجية ساعدت على ميلادها من ناحية وعلى تدعيمها بعده من ناحية أخرى. أولها دخول السكك الحديدية التي جمعت ما قد فرقت الجغرافيا والتاريخ. والحقيقة أنه كان على وحدة ألمانيا أن تنتظر قدوم السكك الحديدية، وهي لذلك وإلى حد بعيد نتج لها. وبفضلها ولدت ألمانيا من مقياس ضخم نسبيا، فضلا عن أنها هي التي أعطتها قلبا جغرافيا وعقدية اصطناعية مكتسبة. أما العامل الثاني فهو الانقلاب الصناعي الذي وصلها وقد بلغ حدا كبيرا من التطور، ولذلك ولدت ألمانيا من البداية وهي (دولة تكنولوجية و بكل معنى الكلمة - دولة الكولتور Kultur . وسيصبح هذا ملمحا أساسيا في كيانها ومن أخطر مواطن القوة في تركيبا(1) .
والمحصلة العامة أن ألمانيا ولدت عملاقا بتمنع بقاعدة أرضية ضخمة، لاتقل كثيرا عن فرنسا وتكاد تعادل ضعف بريطانيا، بينما تزيد عن أكثرهما سكانا. قاعدة تجمع بين الانتاج الزراعي الكثيف والانتاج الصناعي الثقيل الذي يعتمد على ثروة معدنية منوعة ضخمة على أي مقيام، وتكاد تكون أقرب بالقوة و إذا لزم الأمر إلى الكفاية الذاتية Autarky من فرنسا وأقرب بالتأكيد من بريطانيا. قاعدة تحتل موقعا يتوسط قلب القارة ويتاخم عددا كبيرا من دولها، وفي نفس الوقت يملك جبهة ساحلية كافية على البحر. ومعنى ذلك أنها بموقعها وطبيعتها دولة أمفيبية تجمع بين قوة البر وقوة البحر، ومواردها ومقوماتها يمكن أن تتطلع إلى الصدارة في القارة.
(1) فتزجرالد، ص