الصراع القاري لم يكن مفر لهذا من أن نصطدم الدولة الجديدة بالقوى الكبرى القائمة. فمنذ اللحظة الأولى كان عليها أن نواجة فرنسا المتاخمة، إلا أن هذه كانت بريطانيا قد حطمت قوتها من قبل في صراعها من أجل السيادة العالمية، وما ظهرت ألمانيا كقوة إلا انتهازا لهذه الفرصة التي لولاها لما سمحت فرنسا لها بذلك بالتأكيد. ولهذا لم يكن من الصعب على ألمانيا أن تجهز نهائيا على فرنسا في الحرب السبعينية لتزيحها من صراع القمة.
وكما كان على فرنسا في أثناء صراعها مع بريطانيا أن تواجه أيضا قوة برية على القارة في الشرق هي النمسا، فكذلك كان على ألمانيا أن تواجه أيضا قوة برية أضخم بكثير هي الروسيا. ورغم أن الروسيا كانت مركز الثقل السياسي في شرق أوربا حينئذ، وأضخم دول القارة مساحة وسكانا، وتمثل زعيمة السلاف. فقد كانت متخلفة حضاريا وماديا، وتشكل بذلك تحديا أقل من التحدي الفرنسي. ولهذا لم يلبث مركز الثقل في شرق القارة أن انتقل من الروسيا إلى ألمانيا، من سان بطرسبرج إلى برلين. بل إن من الكثير أن ألمانيا بديناميتها وحضارتها واندفاعها الشابة استطاعت أن تتغلغل بنفوذها في الروسيا القيصرية دولة وشعبا. ولعل في الشكل الألماني الاسم العاصمة الروسية وحده - سان بطرسبورج - رمزا بليغا لهذا النفوذ (1) .
ويجدر بنا هنا أن نلاحظ أن افتتاح الزحف الألماني من أجل القوة العالمية بالصدام مع أكبر دولتين على القارة بالذات، وهما فرنسا و الروسيا اللتان تحصران ألمانيا من شمال ويمين، إنما يرجع إلى قي مؤكد أن، مجال حركة ألمانيا كان مرتبطا دائما وأساسا بصلب القارة أكثر منه بما وراء البحار. ومما له مغزاه في هذا الصدد أنه أصبح من سياسة ألمانيا التقليدية أن تشجع هاتين الدولتين على المغامرات الاستعمارية خارج القارة لتبعد أنظارهما ولتبعدهما عن القارة نفسها بقدر الامكان لتخلو لها هذه، مجالها الطبيعي الوحيد , فعلى سبيل المثال، كانت هي سياسة بسمارك الواعية العامدة التي وجهت فرنسا إلى تونس بعد حربها السبعينية، وكانت هي ألمانيا التي حثت الروسيا وشجعتها على حربها اليابانية في بداية هذا القرن.