هذا على القارة. غير أنه كان على ألمانيا من الناحية الأخرى أن تواجه بريطانيا مباشرة ليبدأ صراع جبابرة يكرر نفس القصة التي رأيناها مرارا من قبل في غرب أوربا منذ البرتغال حتى بريطانيا: قوة أكثر بحرية (بريطانيا) تحطم قوة أكثر قارية (فرنسا) ، فترثها قوة أكثر وأكثر قارية (ألمانيا) . ليبدأ الصراع بين الأولى والأخيرة ... وهكذا سنجد أن الربع الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين هو عصر الصراع بين بريطانيا وألمانيا.
وكما كان كل صراع من الصراعات السابقة ينقلنا باستمرار إلى أبعاد ومستويات أضخم وأخطر. فسنجدنا الآن على أبواب صراع عالمي يلخصه ببلاغة تسميتنا للحرب الكبرى الأولى والثانية بالحرب العالمية. فقد كان هذا أول صراع للقوى العالمية في ظل العصر الصناعي بكل فنونه التكنولوجية والعسكرية، وأول صراع بين قوي رأسمالية مكتملة وسافرة.
وقد خرجت ألمانيا من وحدتها لتجد نفسها حبيسة بحر الشمال الذي تغلقه بريطانيا تماما بموقعها ويقوتها البحرية، وسجينة وسط أوربا بما يطوقها من دول من كل ناحية. إنها - في معنى - گالروسيا: رهين المحبسين. فأخذت لذلك تنمي - تحت عسكرية اليونكرز - قوة برية ضخمة، جنبا إلى جنب مع أسطول بحري خطر. كانت الغواصة فيه بالذات رمزا لمحاولة الإفلات من انغلاقها البحري، وتكاد نقول نتيجة جغرافية الموقعها وبيئتها. ولو أن ألمانيا ولدت وقد ضمت المناطق الجرمانية الساحلية في الأراضي المنخفضة في دلتا الراين سواء في هولندا أو بلجيكا: لجاء خطرها البحرى ودورها الاستراتيجي مختلفا جدا بالتأكيد.
ولهذا فقد كانت بريطانيا - مقتبسة نابليون - تعد هذه الأراضي المنخفضة - شکلا وموضوعاد بمثابة مسدس موجه إليها. بل لقد ذهبت أحيانا إلى حد اعتبار الراين و حدودها، الاستراتيجية (1) ! وكان رد فعلها المباشر هو التحالف الدائم مع هولندا وبلجيكا وضمان حيادهما دوليا ووحدة أراضيها الإقليمية في وجه هذا الخطر. والواقع أن موقع هاتين الدولتين - الصغيرتين - داخل مثلث القوى الكبرى بريطانيا وفرنسا وألمانيا هو الذي حيدهما ووضعها في نقطة الحمود السياسي والعسكري في أوربا.