وتاريخيا أن هذه الحركة ارتبطت تماما بالاحتكاك والاقتباس الحضاري، بمعنى أن كل مركز لاحق أستمد حضارته أصلا من مركز سابق ثم نماها إلى مستويات أعلى ريما. والكشوف الجغرافية في الحقيقة لاتخرج كثيرا عن هذه القاعدة.
غير أن كثيرا من الكتاب الغربيين يحلو لهم أن يردوها إلى حيوية وتطلع غير عادي في شعوب غرب أوربا، وإلى حب استطلاع ومغامرة وتفوق طبيعي في الجنس. هم بمعني آخر يثيرون تفسيرا عنصريا. إلا أن الحقيقة أن أوربا الغربية خرجت إلى الكشوف بسبب عدة ضوابط وضواغط أهمها ماجاء من الخارج وأقلها ما صدر عن الداخل. وبتحليل هذه العوامل لن تعدم أن نرى أثر مراكز الحضارة والقوة الأسبق من عرب واستبس وغيره، ويمكن أن تحدد تلك العوامل في ثلاثة: حضاري، وسياسي، وجغراف.
العوامل الحضارية والسياسية فحضاريا لا جدال في أن الكشوف نتيجة من نتائج النهضة الأوربية. وهذه بدورها وبالقطع نتيجة من نتائج الاحتكاك الحضاري بالعرب. فمن مركز الحضارة العالمية في العصر الوسيط - العالم العربي - تسربت عناصر الحضارة المادية وغير المادية إلى أوربا عبر البحر الأبيض المتوسط مع التجارة والانتقالات، ولكن بصورة درامية حاسمة في الحروب الصليبية التي أيقظت أوربا من سباتها وتخلفها. ويكفي كمجرد مثال أن إسبانيا ماعرفت البارود والأسلحة النارية التي ستبنى بها إمبراطوريتها إلا نقلا عن العرب أثناء صراعها معهم. وقد انعطفت أوريا بعد ذلك على ذلك الدرس الحضاري وتمثلته ثم طورته ماشاء لها التطوير. وبفضل ذلك التراث - وما فيه من فنون البحر بالذات - استطاعت أن تخرج إلى المحيط.
أما سياسيا فقد كانت أوريا الوسيطة تعيش في عالم اقطاعي ممزق، عالم الفرسان والأقنان، والأمراء وعبيد الأرض. وبذلك كانت تتألف سياسيا من موزايکو لانهاية له من الوحدات المحلية والإقليمية الضيقة، سواء من دوقيات وبارونيات الاقطاع أو دول المدن ونقابات الأوليجاركية guids ، الكل قد مزقته الحروب والصراعات الصغيرة. ولم يكن من الممكن لمثلها أن تخرج إلى استعمار الكشوف بهذا الهيكل السياسي البدالي القزمي. بل هي لم تخرج إلا بعد أن بدأت فيها جرائم القومية الأولى و الشعور والوعي بالذات الوطنية واتجهت نحو لم جزئياتها السياسية في وحدات وطنية أكبر في طريقها إلى الدولة الوطنية الحديثة nation state .