الضغوط الخارجية
وهنا نقرر مباشرة أن الذي دفعها إلى هذه الطريق إنما هي ضغوط القوى الخارجية المعادية. فكما يعترف ماكيندر، إن الذي خلق الشعور القومي مبكرا في أوربا هي الضغوط الثلاثة التي أحدقت بها من جهاتها الثلاث: خطر الفيكينج من الشمال، والاستبس من الشرق، والسراسنة و العرب) من الجنوب. وقد رأيناه من قبل يعترف بأن الأسيويين في موقعة شالون كانوا يصنعون فرنسا الحديثة دون وعي. كما رأينا أن الصليبيات كانت أول حركة وحدت أوربا وهي وإن تكن إطارا دينيا فإنها تدريجا نمت إلى منتهاها الطبيعي وهو الإطار القومي. ويكفي أن الوحدة السياسية ثم الكشوف الجغرافية بدأت مباشرة في إسبانيا والبرتغال بعد طرد المور والعرب وكرد فعل للصراع معهم. إن القومية المبكرة والوحدة الوطنية الباكرة التي عرفتها أوربا، ومكنت لها من الخروج إلى الكشوف والاستعمار، هي في التحليل الأخير هدية غير مقصودة من العرب والشرق.
أكثر من هذا، إن الضغوط الشرقية والأسيوية هي - جزئيا على الأقل - التي قذفت بأوربا الغربية إلى ما عبر المحيط ا لقد سبق أن رأينا أن غزوات الاستبس وموجاته هي التي دفعت القبائل المتبربرة غربا حتى قفزت من القارة إلى جزيرة بريطانيا هنا وإلى جزيرة البندقية هناك. وبالمثل، ولكن في إطار مختلف، قد يمكن أن نقول إن مما دفع بأوربا الغربية لتقفز قفزة أوسع عبر المحيط إلى العالم الجديد ضغط العالم العثماني من الشرق حين أغلق طرق التجارة البرية مع الشرق الأقصى حتى اضطرت أوربا قسرا إلى البحث عن الطريق الدائري البديل. وفي إلماعة موحية وثاقبة، يؤكد فيرجريف هذا الرأي حيث يقول: « ... ليس من المستكثر أن نقول إن القبائل الغازية (الأسيوية) ، بتوسيعها لأفق النظرة، كان لها تأثير واضح جدا في إحداث سلسلة الظروف التي أدت إلى كشوف کولمبس ومن تلاه (1) .
العوامل الجغرافية يبقى أخيرا من العوامل التي أهلت أوربا الغربية للكشوف، العامل الجغرافي موضعا وموقعا. فمن الواضح أن البيئة الطبيعية هنا بيئة بحرية مثالية. القارة كلها ليست إلا «شبه
(1) ص