العربية بالإمبراطورية الأغريقية، والإمبراطورية العثمانية بالرومانية: تلك خلقت تراثا وحضارة، وهذه قامت على القوة العسكرية المحض.
خامسا: جاء الأتراك في مسرح الدين الإسلامي وتحت قناعه، وكان هذا في عصر الدين لا القومية، وفي وهج ذكريات الصليبيات، مما سهل عليهم الفتح بلا ريب. بل لقد رأينا أن الجزائر هي التي استنجدت بالأتراك واستدعتهم لحمايتها. ولكن هذا لاينفي الحقيقة المقررة من أن الوجود التركي هنا يعد نوعا خاصا - ومحيرا ريما - من الاستعمار هو و الاستعمار الديني،، ولولا القناع الديني لعد مماثلا للغزو المغولى الوثني الذي سبقه ولووجه على هذا الأساس بكل تأكيد (1) .
وكل مظاهر الاستعمار الاستغلالى الابتزازي لاتنقص العثمانية: فقد كانت تركيا هي و المتروبول، وبقية الإيالات والولايات مستعمرات تابعة تعتصر كل مواردها وخيراتها بلا مواربة لنحشد حشدا في المتروبول. بل لقد قيل إن الأتراك طبقوا في حكمهم السياسي طريقتهم الاستبسية في معاملة الحيوان، فهم ما انتقلوا من رعي قطعان الحيوان إلا إلى رعي قطعان الإنسان: كما يفصل الراعي بين أنواع القطعان، فصل الأتراك بين الأمم والأجناس المختلفة عملا بمبدأ فرق تسد (نظام لللة) ، وكما يسوم الراعي قطيعه بالكلاب، كانت الانكشارية كلاب صيد الدولة العثمانية، وكما يحلب الراعى ماشيته كانت الإمبراطورية بقرة كبرى عند الأتراك للحلب فقط (2) .
سادسا، وأخيرا، ينبغي أن نسجل بعناية أن الدولة العربية إنما انتهت على يد الغزو التركي وليس على يد الغزو الصليي، أي على يد قوة البر وليس على يد قوة البحر. وإذا كانت المنطقة قد نجحت في صد القوتين معا من قبل، فإن سقوطها في النهاية على يد قوة البر أكبر دليل على أن هذة القوة لا يستهان بها ولها مقومات يجب أن يحسب لها حساب. وإذا كان هذا تحصيل حاصل بالنسبة لتلك الفترة، فهو أكثر منه نذير و إنذار واضح للمستقبل بوجه خاص کيا سنرى بعد حين.
تلك إذن قصة الموجة التركية وقيام الإمبراطورية العثمانية بجناحيها الأوربي والعربي. فإذا نحن حاولنا أن تنظر إليها ككل، فسنجد عدة حقائق بالغة الأهمية. فلعلها: أولا،
(1) جمال حمدان، الاستعمار والتحرير في العالم العربي، القاهرة، 1994، مي 13 وما بعدها