أحدهما من انتزاعها نهائيا، فبقيت بعد ذلك حتى النهاية منطقة تخوم قلقة. تلك هي الرقعة الجبلية التي تشمل أرمينيا الشرقية والقوقاز وزاجروس).
استراتيجية الإمبراطورية العثمانية ومرة أخرى تبرز من هذا العرض عدة ملامح واضحة. فأولا، تتكرر ظاهرة القفز الضفدعي التي سبقت في البلقان. فبينا استولت تركيا على الشام ومصر، ظل العراق فترة
غير خاضع لها. كذلك سبق الاستيلاء على الجزائر الاستيلاء على تونس، وهذا سبق الاستيلاء على طرابلس. بل يمكن أن نعتبر زحف العثمانية في المغرب بمثابة تبار عکسي راجع، وأن هناك أكثر من نواة منفصلة متباعدة بدأ منها الزحف في العالم العربي. ولهذا فإن الفكرة الوهلية التي قد تتصور زحفا قوسيا متصلا من الأناضول حتى الجزائر لا مكان لها من الحقيقة. .
ثانيا، سقط أغلب العالم العربي وقرئت تركيا معظم الدولة الإسلامية العربية في نحو نصف قرن تقريبا من القرن السادس عشر. وقد تأخر الاستيلاء على أجزاء في الجزيرة العربية وكذلك السودان إلى مراحل تالية بعيدة. ولكن هناك جزأين لم يخضعا مطلقا للأتراك لتطرفها، وهما المغرب الأقصى (مراکش) والجنوب العربي حتى عان.
ثالثا، وقع العالم العربي في يد الأتراك بسرعة وسهولة نسبية لأسباب عدة. أولها ما استمدوه من قوة مادية وسياسية بعد أن ملكوا البلقان وموارده نحو قرنين. سبب ثان الضعف والتفكك والعجز الشديد الذي وصلت إليه الدول العربية في تلك الفترة، وهي التي - منذ قرنين فقط - صدت المد الصليب والموجة المغولية معا. ولم يتكتل من العرب في وجه الأتراك إلا مصر وسوريا،
رابعا، لا مفر من أن نلاحظ التناقض الكامن - وإن يكن مألوفا - في تفوق قوة رعاة بلا حضارة عميقة مهما كان على منطقة حضارية زراعية راقية ذات أصول عريقة. وإذا كان الاستعمار هو في التحليل الأخير سيطرة حضارة راقية على حضارة متخلفة، فإن الاستعمار التركي للعالم العربي يبدو في هذا المعني استعارا عكسيا أو مقلوبا كما قد نقول، ولهذا سيأتي عنها في نتائجه و إنجازاته. وفي هذا الصدد يشبه البعض الإمبراطورية الإسلامية