الصفحة 84 من 474

المحدد يؤكد ماسبق أن أوضحته الصليبيات من أن مصر هي مفتاح المنطقة العربية، لاسيا أن كل ثقل الدولة العربية الإسلامية كان قد انتقل کاملا ونهائيا إلى مصر بعد تدمير العراق على يد المغول.

ومن الناحية الأخرى فقد سارعت مصر لملاقاة الزحف العثماني على ضلوع الأناضول نفسها، كأنما كانوا يدركون منذ ذلك الوقت المبكر أن خط الدفاع الأول عن مصر لايقل عمقا عن تحوم الشام. ولكن تمزقت المقاومة المصرية في مرج دابق حلب، وتقهقرت إلى خط دفاعها الثاني في قلب مصر بعد سقوط الشام. إلا أنها مرة ثانية وأخيرة انهارت في ربدانية القاهرة، وسقطت مصر في 1017. وكانت تلك أول مرة منذ الهكسوس والفرس تفع فيها مصر لقوة استبسية.

وفي ذلك الوقت كانت الضغوط المسيحية من حربية وبحرية وقرصنة على المغرب قد اشتدت ووصلت إلى النقطة الحرجة التي استدعت الاستغاثة بقوى الإسلام أني وجدت. ولما كانت تركيا هي كبراها الآن، فقد تدخلت بحريا (عروج بربروس وأخوه خير الدين) الحماية المغرب الأوسط، ولم تلبث أن احتلته في 1929، ثم أردفته بتونس في 1034، إلى أن توسعت مؤخرا في طرابلس في 1040

وعند هذه النقطة يبدو غريبا بعض الشيء أن تنجح تركيا الآن حيث فشلت مصر، أو على أية حال لم تغامر، للأسف من قبل. فمصر المملوكية، بعد انتصاراتها الحاسمة الداوية على كل من التتار والصليبيين، لم تستطع أو تشأ أن تساعد المغرب العربي ضد الصليبيات الغربية رغم استنجاد تونس والجزائر بها مرارا وبالحاح. أما الذي نجح في هذا الانقاذ فكان الأتراك العثمانيون من الأناضول فيما بعد. وبهذا كان الصراع ضد الصليبية في البحر المتوسط وخاصة حوضه الغربي دور تركيا أكثر منه دور مصر: الذي يظل بذلك محليا نسبيا للأسف، ورغم أن كلا من مصر وتركيا قوة أمنية أساسا أي برمائية، فلعل هذا يرجع إلى أن البعد البحري في الأخيرة أكبر منه في الأولى نوعا.

ومهما يكن، فإذا ماعدنا إلى مسيرة الأتراك في الشرق، فقد تأخر التوسع العثاني في العراق وذلك في وجه المقاومة الفارسية، ولكنه سقط في النهاية في 1952. ولم تستطع تركيا أن تتوغل بعده شرقا لأن قوة فارس استطاعت أن تصمد لها، بل وستصبح ندا عنيدا لها في المستقبل طويلا. وظلت هناك منطقة متنازع عليها بينها يتجاذبانها دون أن يتمكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت