الصفحة 80 من 474

القسطنطينية. ولم ينتصف القرن حتى كانوا يملكون على وجه التقريب مايسمى الآن، تركيا في أوربا، وكانت القوة الكبرى التي تقف في وجههم هي دولة الصرب، ولكنهم تغلبوا عليها واجتاحوا بلغاريا ثم الصرب، مستفيدين في ذلك من فتحة الارتيزا- الفاردار الحاسمة، وواصلين بذلك إلى الدانوب، والقرن الرابع عشر لما يلفظ أنفاسه بعد تماما. وبذلك صاروا سادة البلقان بلا منازع.

ولكن هذا الخطر حرك الصليبية في أوربا مرة ثانية، فخرجت حملة صليبية من كل أجزاء غرب القارة ووسطها، تراجعت أمامها العسكرية العثمانية على الدانوب قليلا أول الأمر، حتى سحقتها في النهاية مابين أول القرن الخامس عشر ومنتصفه. وإذ تم هذا الاقرار pacification ، كان دور القسطنطينية - التي أصبحت من قبل إسفينا ضئيلا محاصرا في وسط الكتلة العثمانية الضخمة - كان دورها قد أزف، فسقطت سقطتها التاريخية الشهيرة في 1453، وهذا ختم على مصير الإمبراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطه) إلى الأبد بعد أن ظلت تحتضر قرونا.

وفي نهاية هذا القرن الخامس عشر كانت حدود الإمبراطورية العثمانية في أوربا قد وصلت من كرواتيا إلى الدون الأسفل. وفي خلال القرن السادس عشر سقطت المجر وظلت تحت العثمانية حتى نهاية القرن التالى، وأصبحت المسا بذلك مهددة، وتحولت في الحقيقة إلى دولة تخوم - كما أراد لها شارلمان حين أنشأها لأول مرة في وجه الآفار منذ أكثر من ألف سنة - دولة حدية تفصل بين تركيا وأوربا. وفي هذا المعنى قال مترنيخ قولته المشهورة: عند فينا، آسيا نبدأ: Am der Landstrasse beginnt Asia». وفي هذا الصدد أيضا لم يكن غريبا أن وقر في ذهن أوروبا أن الترك لا يغلبون، تماما مثلا وقر في ذهن آسيا من قبل عن النار والمغول.

ثمة الآن بضع حقائق هامة تبرز من استعراضن هذا الزحف. فأولا يمتاز التوسع العثماني بظاهرة القفز الضفدعية leap - frogging ، بمعنى أنه لم يكن متصلا بدأ من نقطة ثم استمر في اتجاه و خط متتابع بصرامة. بل هو قد يترك منطقة في طريقه ويتخطاها إلى ما بعدها ثم يعود إلى تلك الأولى. فمثلا قفز إلى البلقان ولم يكن قد سيطر على الأناضول جميعا، بل لقد ظلت بها أجزاء وقطاعات لم يسيطر عليها إلا بعد أن كان قد وصل إلى الدانوب ا كذلك ظل يقيم في البلقان بل يملكه قرنا کاملا و بعض قرن قبل أن يستولى على القسطنطينية! >

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت