الصفحة 70 من 474

وإذا التفتنا غربا، فعلى الطريق السهلى الشمالى بظل الاستبس كما كان مصدرا مزمنا للغارات والغزوات، إلا أنها فيما يبدو أقل عددا منها في العصور الكلاسيكية. ولعل هذا يرجع إلى أن جزءا كبيرا من وسط أوربا كان قد بدأ برابر ته ورعاته نستقر وتجمد، وإن ظل شرق القارة متميعا في تركيبة ومسرحا لقلقلات وتحركات الرعاة. ففي القرن التاسع وصل المحجبار إلى المجر- التي أعطوها اسمهم - نتيجة لضغط الپاتزيناك Patrinaks بمنطقة الفولجا، والذين تحركوا بدورهم نتيجة لضغط الحر إلى الشرق منطقة بحر قزوين (بحر الجزر عند العرب المعاصرين) .

المغول والغرب حتى إذا كان القرن الثالث عشر نجد جنكيز خان - هو الذي بدأ بالصين - بطرق أبواب شرق أوربا ووسطها! والواقع أن طوفان جنكيز خان - القائد الكبير وسيد القبيل الذهبي Golden Horde - عملية تفوق فتوح الاسكندر الأكبر وتتفوق على نابليون في المدى الجغرافي وإن اختلف المجال. فقد اكتسح نفسه الطويل محيط أوراسيا - أكثر من 3000 ميل - ابتداء من الصين حتى وسط أوربا، موحدا بذلك كل السهل الاستبسي الأوراسي العظيم تحت قيادة رجل واحد، ولعل هذه كانت أكبر إمبراطورية شهدها كل التاريخ قديمه والحديث من حيث للسياحة والامتداد (1) . وفيما عدا الأتراك، كانت هذه الموجة آخر موجة استبسية عظمى تصل إلى أوربا الوسيطة.

وبسبب تلك الموجات سنجد أن هناك فارقا سياسيا بدأ ينمو بين شرق وغرب أوربا. فإذا كانت غرب أوربا قد قفزت إلى مبدأ القومية مبكرا بفضل خطر الاستبس، فإن القوام السياسي في شرق أوربا ظل متميعا أبعد ما يكون عن التبلور حتى وقت متأخر جدا، وما زال بعيدا عن النضج السياسي حتى الآن، وكل ذلك نتيجة للخلط الجنسي والاجتماعي والتخلف الحضاري الذي صحب الاستبس.

أما إذا انتقلنا إلى الطريق الجنوبي، فكان أحفل في هذه الفترة بطرقات المغول والتتار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت