الصفحة 68 من 474

كثيرا، وستترك البحر المتوسط في حالة رهو وترقب إلا من مناوشات القراصنة، خاصة في حوضه الغربي، وذلك لتعكف على تنمية وتطوير ما تعلمته من الشرق العربي حتى تخرج به في النهاية أقوى من هذا الشرق وتقلب موازين الصراع من جديد كما سنرى. كذلك فقد كانت الصليبيات أول ما وحد أوربا ومنحها شعورا بالقومية حتى ليعدها البعض بداية التاريخ الحديث (1) .

أما من ناحية العرب، فلاشك أن درس الصليبيات هو درس استراتيجي أساسا. فهي تؤكد لنا مرة أخرى خطورة موقعها البيئي الذي يجعلها مطمع أنظار الهامشيين، وتعلمنا أن قوته رهن بوحدته في وجه هذا التحدي الموقعي، وأن بها - وربما بها وحدها - يمكن أن تأمل في أن تتصدى للقوى الغربية البحرية مجتمعة وتصدها في النهاية.

الاستبس الأسيوي

التيار، المغول، الأتراك لم تتوقف غارات الاستبس خلال العصور الوسطى بل ربما زادت عنفا وتخريبا، ولو أنها تختلف في نواترها من جانب إلى آخر، فلعلنا لانخطئ كثيرا إذا عممنا فقلنا إن مركز ثقل الموجات الاستبسية انتقل إلى حد ما من الطريق الشمالى السهلى إلى الطريق الجنوبي المضي: أو من أوربا إلى الشرق الأوسط (2) .

ففي الشرق تعرضت الصين لغزوات عديدة مابين القرنين التاسع والثالث عشر. إلا أن موجة جنكيز خان ثم کوبلاي خان في القرن الثالث عشر كانت أضخم حدث في تلك المرحلة. فهي التي أعطت الرعاة حكم الصين عدة قرون، إلى أن كانت آخر موجة في القرن السابع عشر على يد مغول المانشو - أبناء استبس منشوربا - فأعطت الصين أسرتها الحاكمة حتى الحرب العالمية الأولى في القرن العشرين.

أما الهند فقد نالتها في القرن الحادي عشر موجة التار الغزنويين التي أخضعت شمالها. فلما كان القرن الرابع عشر أخضعتها جميعا موجة تيمور لنك التي طغت على رقعة كبيرة من آسيا وحكتها. وفي القرن السادس عشر استطاع أحد خلفاء تيمور لنك وهو محمد أكبر

(2) في هذه الوجات راجع دمولان، سبق ذكره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت