ولكن مابين بداية النهاية ونهايتها تحولت الصليبيات إلى مصر حيث قد أدركت بالتجربة المريرة أنها قطب المنطقة بشريا واستراتيجيا، أو كما وصفتها هي حرفيا رأس الأفعى ومستودع الامدادات .. وإلى مصر من ثم اتجهت، وعن طريق قبرص أيضا مثلما كانت الحال مع الشام. ففي النصف الأول من القرن الثالث عشر نالت مصر موجتان أبيدتا بالضربة القاضية في براري وسهول الدلتا بعد أن أغرقتا في بيئتها الاسفنجية الشيعة. فعاد صراع التصفية إلى الشام ثانية حيث دفنت الصليبيات في البحر نهائيا.
صليبات المغرب إلا أن ذيول الصراع ظلت في البحر المتوسط بعد ذلك طويلا وهي تتراجع بالتدريج غربا. فقد لجأت القوى الصليبية، بعد أن تكسرت سيوفها على قلعة اللفانت، إلى لون من و الحصار القاري، للعالم العربي لخنق تجارته مع أوربا، وإلى د مبارزة بحرية و عبر اكباريه للتحركة - جزره ومضايقه - تمثلت في سلسلة من غارات القرصنة على سواحل أفريقيا العربية وفي حملتين من الغزو على تونس في النصف الأخير من كل من القرنين الثالث عشر والرابع عشر. على أن ذلك فشل جميعا. وهنا سنلاحظ أن الصليبيات تحركت في خط سيرها التاريخي حركة محددة مع عقارب الساعة، فقد بدأت من الشام ثم انتقلت إلى مصر فتونس.
على أن مصير الصراع اختلف تماما في إسبانيا. فإذا اعتبرنا - مع جمهرة المؤرخين - أن الاسترداد Reconquista هو آخر فصل في الصليبيات، فإن القرون الثلاثة الثالث والرابع والخامس عشر ترميم في هيكلها وبانتظام خريطة تقدم للمسيحية وتقهقر للعرب نحو الجنوب حتى كان الخروج النهائي في 1992. ويمكن أن نلخص محاور هذة الخريطة وترمز إلى مراحلها بخطوط و الثغور، العسكرية الثلاثة المتعاقبة التي عرفها وحددها العرب: الثغر الأدني، الثغر الأوسط، الثغر الأقصى. وقد كانت قلاع الشمال الجبلية هي معقل المقاومة ونواة الزحف، کماکان اطراد اتحاد الإمارات المسيحية مع اطراد انقسام الإمارات العربية هي ضوابط الصراع الصيري. ومع طرد الموريسكيين - بضعة ملايين - إلى المغرب العربي، انتهى المغرب الأوربي، وأصبحت الأندلس «فردوس العرب المفقود ..
التصفية ولقد كانت الصليبيات درسا حضاريا قبل كل شيء لأوربا. فقد كانت احتكاكا حضاريا بين الشرق المتقدم والغرب المتخلف، وستنعطف أوربا على نفسها بعدها قليلا أو