أن هذه هي فهم الموجات. أما التيار نفسه فظل متصلا كالسيال الكهربائي. ومن ثم فهي شكلا وموضوعا إلى صورة أرجال الجراد المنتشر أقرب منها إلى صورة أسراب الطيور المهاجرة إن صح التشبيه. كذلك لم تكن تلك الغزوات من صنع جيوش نظامية بل انتظمت كثيرا من ميليشيا البروليتارية والعبودية الإقطاعية. وهذا يعطى الصليبيات مسحة بربرية تذكر بدرجة ما بغارات المتبربرين في أوربا على الإمبراطورية نفسها (1) .
صليبيات الشرق
ولقد بدأت الصليبيات برا عن طريق بوابة قبليقيا البيزنطية وبحرا عن طريق قبرص، مما يوضح خطورة الأناضول كمدخل بري إلى الشام وخطورة قبرص كمفتاح بحري وخشبة للقفز على اللفانت ومصر، والواقع أن كلا منهما كان أول ما احتله الصليبيون وآخر ماغادروه، ثم استطاعت الصليبيات أن تحتل - في أقصي توسعها - النطاق الساحلي من الشام حتى فم السلسلة الجبلية الغربية دون أن تتعداها غالبا، ورسمت زاوية قالمة بتوغلها إلى أعلى الفرات في الرها. وأقامت في هذا النطاق سلسلة مفككة من الإمارات ومالك المدن الإقطاعية على غرار تنظيمها السياسي الاقطاعي في أوربا، وقد كان ترتيب التوسيغ وإقامة هذة المالك، سواء زمنيا أو مكانيا، هو من الشمال إلى الجنوب: أنطاكية فطرابلس ثم عكا. وهذه الثلاثية نفسها كانت أعظم معاقلهم بالمنطقة بالفعل.
أما لماذا نجحت الحملة الصليبية على هذا النحو، فذلك لسبب أساسي هو عدم وحدة الشام العربي تقليديا وتمزقه إلى كوكبة متنافسة من دول المدن والولايات، والأنابيات» الضئيلة الحجم والوزن غالبا. ومع ذلك فإن توحيد الشام العربي بعد ذلك ومساندة ظهيره إلى الشرق لم تكف لرد العدوان، وكان تحرير الأراضي المقدسة رهنا باتحاد قوة مصر البشرية مع قوة الشام. والغريب في هذا التحرير أنه، رغم المصدر الجنوبي، بدأ من الشمال إلى الجنوب وليس العكس، أي على نفس ترتيب التوسع الصليبي نفسه أصلا، إذ تم تحرير أنطاكية أولا ثم طرابلس ثم أخيرا عكا، وعلى أية حال، فحين تحقق هذا التحرير، كانت حطين صلاح الدين في النصف الثاني من القرن الثاني عشر هي
أرماجدون، الصليبيات وبداية نهايتها. وفي النصف الثاني من القرن الثالث عشر كانت هذه النهاية.