المقدسة وحماية الحجاج من اضطهاد السلجوقية الحاكمة حينذاك فهو بإجماع الآراء حجة ملفقة ومنطق تبرير لا أكثر.
ولهذا فالصليبيات، في رأي السواد الأعظم من المؤرخين، كانت حربا أستعمارية: استعارا سياسيا واقتصاديا لا شبهة فيه إلا شبهة قناع الدين، بل يعدها بعض كتاب الغرب أول حركة استعمارية كبري قام بها الغرب الأوربي في العصور الوسطى. ولعلها في الحقيقة
حلقة الوصل ومرحلة الانتقال بين الاستعمار الجزلى القديم الذي باشرته أثينا وروما وبين الاستعار الحديث الذي ستخرج إليه أوربا بأسرها في المستقبل. وهي في الحالين ليست - استراتيجيا - إلا مظهرا من مظاهر الصراع بين القوى البحرية الغربية وبين المناطق البينية في العالم القديم، وعلى هذا الأساس نظر إليها.
وليس معنى هذا بطبيعة الحال أن أوربا الغربية تحولت في تلك الفترة إلى وحدة متماسكة تخلو من المتناقضات الداخلية، فقد ظلت الصراعات المحلية وصراع الأشباه جنبا إلى جنب مع صراع الأضداد. فكانت المالك والإمارات والقبائل مستمرة في حروبها وغاراتها، وعلى طول السواحل الغربية وحتى الجنوبية زحف خطر قراصنة البحر من الفيكينج الدين نزلوا من بحار سكندينافيا ليغيروا من البحر على كل النطاق الساحلى، إلا أن تأثيرهم كان محدودا بالمياه الملحة وقليلا ما بمصبات الأنهار ونهايا تها (2) .
ولعل أبرز ما يميز الصليبيات عن موجات الاستعمار البحري السابقة أنها لم تقتصر على قوة أو دولة واحدة بل خرجت من أغلب دول غرب أوربا وجنوبها ووسطها. ولذا نجدها تأخذ طريقين أساسيتين: الطريق البرية عبر قلب أوربا فالبلقان فالأناضول البيزينطية، وطريق البحر المتوسط. وإذا كان هدفها الديني هو الأراضي المقدسة، فإن الهدف الاستراتيجي اتسع ليشمل إلى جانب الشام كله العراق والحجاز ومصر، أي النصف الشمالي من دائرة المشرق العربي.
الموجات الصليبية وتكاد الحملات الصليبية في الشام تغطي قرنين بالضبط. الثاني عشر والثالث عشر. ويتعرف المؤرخون خلالها على ثماني موجات رئيسية - آخرون يقولون تسعا. ولكن الحقيقة