الصفحة 56 من 474

والمغزى الاستراتيجي لهذه الطفرة مفعم بالدلالات والظلال. فهي تناقض مباشرة دلالة الفترات السابقة حين كانت منطقة الشرق الأوسط والأدني قوة مغلوبة على أمرها بين قوى البر والبحر، تتبع إحداهما أو كلتيهما، بغير ما كان ذاني صلب. فهذه التجربة التاريخية الفذة أثبتت أن المنطقة ليست منطقة ضعف کامن بالطبع ولا بالضرورة، وأنها قادرة على أن تحقق سيادتها بل وأكثر منها أن تخضع القوى الضخمة الواقعة على ضلوعها. هذه التجربة تأتي إذن كمصحح ومكمل لمغزى الكيان الاستراتيجي الكامن للمنطقة في العصور السابقة - واللاحقة كما سنري.

عوامل الانحدار والسؤال الآن: لماذا انهارت هذه الدولة العظمى بعد أن ظلت قائمة في صورة أو أخرى بضعة قرون؟ هناك مجموعتان من العوامل، داخلية وخارجية , فداخليا، لا جدال في أن ضخامة الدولة وفرط تراميها في حد ذاته عامل ضعف وتفكك في النهاية. فمن الصعب جدا أن تمسك بمثل هذا الجسم العملاق في قبضتك طويلا دون أن ينشطر وتتساقط منه أجزاء وأعضاء وبخاصة أطراف متطوعة، لا سيا أن جزءا كبيرا جدا من الرقعة كان صحارى وأشباه صحاري واستبس أو أشباه الاستپس: شبه فراغ يعوق الحركة والاتصال ويضعف الارتباط، في وقت لم تتعد فيه وسيلة الترابط حركة الحيل والإبل التي إن اتسع نفسها في الحرب والغزو الخاطف فهو ينقطع ويتخلخل في علاقات السلم المنتظمة الرئية المتكررة

والملاحظ بعد هذا أن الدولة العربية كانت تجنح إلى الإفراط في الاستطالة من الشرف إلى الغرب وإلى التفريط نسبيا في العمق من الشمال إلى الجنوب مما عرضها - من الناحية الليكانيكية البحتة على الأقل - إلى التقصف والتمزق (1) . أضف إلى هذا تنافر التركيب الجنسي في الدولة وتعدد الأقليات والعناصر في نسيجها السياسي، فرغم أن الدولة كانت وحيدة اللغة عمليا: فإنها لم تكن بالتصنيف الجيوبوليتيكي الحديث، دولة كثيفة intensive ، بل كانت تتراوح بين. الدولة الواسعة والمختلطة rextensive

و

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت