من هنا تعرضت الدولة لسلسلة متصلة من الحركات الانفصالية والتفكك، فتعددت الخلافات واستقلت الولايات وانکش نفوذ الدولة المركزية، وقد أني على الدولة العربية حين من الدهر تقاسمتها ثلاث أو أربع خلافات: العباسية في العراق، والفاطمية في مصر، والأندلس في إسبانيا .. الخ، وكل منها - سيلاحظ - يتخذ لنفسه كنواة منطقة زراعية غنية لتكون قاعدة أرضية كافية، بينما كانت الفراغات الصحراوية هي التخوم الفاصلة بينها.
وفوق هذا وذاك جميعا، هناك نقطة ضعف أصيلة في كيان الدولة. فبحكم بيئتها الصحراوية وشبه الصحراوية، كان عدد السكان فيها، على الاطلاق وبالنسبة إلى مساحتها: محدودا في النهاية، وبضغط ماكيندر على ضعف القوة البشرية manpower وقوة الرجال كعامل جوهري في تفتت وانهيار الدولة العربية في آخر الأمر) 1. بل منذ البداية الباكرة اضطرت الدولة الناشئة إلى أن تترك مهدها في صحراء الجزيرة وأن تبني لنفسها قاعدة إيكيومينية حقيقية في الهلال الخصيب - أساسا لهذا العامل الحاسم، ضعف القوة البشرية وعدم كفايتها لأعباء الدولة الجديدة.
أما العوامل الخارجية التي عملت على تعرية الدولة وتحللها فتعود بنا مرة أخرى إلى موقعها الاستراتيجي البيني بين قوى البر والبحر، فبعد قليل من قيامها واستقرارها بدأت القوى الغربية في جنوب وغرب أوربا تتجمع ضدها لتنال منها، وفي نفس الوقت تواترت هجمات القوى البرية من وسط آسيا لتنقض عليها. ولكن هذه وتلك نصل طويل كامل في ذاته يحسن أن يعالج على حدة، وإنما يعنينا هنا أن نضع خطا تحت هذه الاستراتيجية العريضة - استراتيجية الكاشة أو الرحي - كعامل خطير في نضعضع ثم سقوط الدولة الإسلامية الكبرى.
الاستعمار الصليبي
استعمار مقنع بلا قناع قد تكون الصليبيات بدرجة أو بأخرى اسما على غير مسمى، لأنها وإن كان الدين شعارها المعلن، فإن من المسلم به اليوم غربا وشرقا أن محركاتها ودوافعها الخبيثة كانت