الصفحة 54 من 474

العربي على مصر، بينا قد يفسر انتقال المركز والقطب إلى مصر في مرحلة تالية ما أصاب الجناح الشرق من الدولة العربية من طرقات المغول و التتار، وبروز العالم الأوربي بالتدريج في ميدان الانتاج والحضارة، أي غلبة التوجيه الأوربي على الأسيوي.

أما القطاعات البحرية الحاسمة في الكتلة العربية، والتي تناظر هي أيضا في الشام والجنوب العربي، فقد قدمت الترسانات الملاحية اللازمة للخروج إلى البحر. فالشام - مهد الفينيقيين ومدرسة البحرية التاريخية - كان خشبية القفز التي انقض منها العرب على فلول البحرية الرومانية والبيزنطية وعلى جزر البحر المتوسط إلى أن ناجزوا ساحل الشمالى. ودور الشام الأموي كقوة بحر أشهر من أن نشير إليه، وتلخصه معركة واحدة: ذات الصوارى، فهي سلاميس الإسلام أو أكتيوم العرب كما قد نقول.

وفي الطرف المقابل كان الجنوب العربي في مجموعه هو دائما و بلاد العرب البحرية،، يرعى البحر مثلا يرعى الجبل، ويستعمر البحر كما بعمر الصحراء، ويرمز له ببلاغة السندباد البحري کمسرح ودراما، ومنذ البداية والعمانيون والحضارمة هم و اغريق المحبط الهندي وبنادقته، وإذا كان دور التوسع العربي هنا حضاريا وتجاريا أساسا ولم يأخذ الصبغة العسكرية الحربية التي أخذها في البحر المتوسط، فما ذاك إلا لأن هذا الجانب خلا من الإمبراطوريات الاستعمارية القائمة والمركزة في الشمال. ومع ذلك فقد عرف بعض مناجزات هامة مع أساطيل الفرس والرومان.

وكما أعطت البحرية العربية المتوسطية قاموسها اللاحي کاملا أو شبه كامل للغات الأوربية، كانت البحرية العربية في الهند هي وحدها التي تملك أسراره ومفاتيحه الملاحية، فلكيا و هوائيا، نجومه وموسمياته، وهي التي أعطتها فيما بعد للقوى البحرية الأوربية (أحمد بن ماجد) .

والخلاصة أن القوة العربية الصاعدة مع الإسلام وإن بدأت قوة صحراء ورعاة تملك حركة mobility الخيالة والأباله، فإنها سرعان ما تحولت إلى قوة بر وبحر تجمع بين موارد الفلاحين ومرونة الملاحين - بأختصار قوة برمائية تتوسط قلب العالم القديم وسرته. لقد خرجت عن وصاية الصحراء لتضع قوى العالم الكبرى البرية والبحرية تحت وصايتها (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت