يغلق الدائرة وادي النيل في مصر (1) . فما أن يضع القلب الليت يده على هذه الحلقة المحدقة إلا وقد ضمن لنفسه قاعدة أرضية عريضة واحتياطيا عمرانيا مكثفا يكفل له كل عناصر القوة. فكان انتزاع الشام أولا من الرومان ثم العراق من الفرس ثم مصر الرومانية كفيلا بأن - يمنح العرب عناصر القوة لمزيد من المواجهة مع تلك الإمبراطوريات.
وهنا يأتي دور الموقع. فلا شك أن موقع الجزيرة العربية المتوسط بين قارات اليابس وكتل المعمور وقوى البر والبحر كان منطلقا استراتيجيا خطيرا، جعل من السهل على العرب أن تمد ذراعيها بسهولة يمينا ويسارا إلى أبعد مدى. والحقيقة التي ينبغي أن نعيها بعمق وإدراك في هذا الصدد أن كتلة الجزيرة العربية بموقعها وطبيعتها الجغرافية ليست قوة بر فقط كما يظن البعض في غير دقة، ولا هي قوة بحر مطلقة بالتأكيد، وإنما هي تجمع بين قوة البر والبحر، قوة أمفيبية تضع قدما في الماء وقدما على اليابس، بمثل ما تقع بين قوى البحر في جنوب أوربا غربا وقوى البر وسط آسيا شرقا.
حقا، لا شك أن الدولة العربية بدأت قوة بر، وتوسعت بريا، وتمثل في جوهرها كتلة أرضية متصلة لا يقطعها ماء إلا في جبل طارق، بينما تأخرت سيطرتها على جزر البحر المتوسط نسبيا (3) . ولكن العرب لم يلبثوا بحكم موقعهم وتحدياته أن نزلوا إلى البحر المتوسط ولم يعودوا فيه، کدود على عود،، بل رادوه حتى تسيدوه، وكان ذلك بفضل وجود قطاعات بحرية ملائمة في الدولة تتمم القطاعات البرية المناسبة للتوسع البري.
فبفضل قطاعاتها البرية العريضة المتناظرة في مصر والعراق، استطاعت أن تنطلق برا وتنشر جناحها الأرضي. فكانت أرض الرافدين الفسيحة الخصبة هي «رأس الحربة و في توسع العالم العربي في آسيا بحكم موقعها المتقدم شرقا. ولعل هذا الدور هو الذي يفسر استقطاب السلطة والحكم مبكرا وطويلا في بغداد العباسية ويفسر معها حضارة دار السلام الرائعة القمية.
وبالمثل كانت مصر هي رأس الجسر في التوسع الأفريقي غربا وجنوبا، ولعل ارتباط الدولة العربية الإسلامية في البداية بتجارة الصين والموسميات أكثر منها بالعالم الأوربي البيزنطي - أي غلبة التوجيه الأسيوى على الأوربي - أن يفسر أسبقية دور العراق في المحيط
(1) جمال حمدان، دراسات في العالم العربي، ص