الصفحة 356 من 474

فكيف حدثت هذه التحولات الميدة؟ فأما الولايات فقد ورثت حضارة وتكنولوجيا أوربا الأم بخير ما فيها دون شرما فيها. ثم إنها وجدت في قارتها البكر الهائلة بيئات طبيعية ومناخية تذكر، عموما، بيئات أوربا إن لم نكررها أحيانا، وهي على أية حال من أصلح البيئات للنشاط البشري الكامل. أما الاتحاد فإذا كان قد ورث بيئة حضارية واجتماعية في أقصى درجات التخلف. فإن بيئته الطبيعية ببرودتها المتجمدة القارسة البالغة القسوة لا يمكن إلا أن تكون طاردة ووائدة للنشاط البشرى. أو على الأقل فلم يكن من المتصور قط - بقوانين الحزم الجغرافي، أوحتى برغمها - أن نقدم في يوم قاعدة لإحدى أضخم قوتين عالميتين في التاريخ.

والحقيقة أن الذي يستثير الدهشة في طفرة الاتحاد ليس فقط تثوير النظام الاجتماعي بالثورة الشيوعية، وإنما كذلك ثورة البيئة - البيئة الطبيعية بالتحديد - التي أحدثتها تلك الثورة الإيديولوجية. فالجغرافي لا يملك إلا أن يرى أن الثورة الشيوعية تحولت أساسا وفي التحليل والترجمة الأخيرين إلى ثورة بيئات خلقت بيئة جديدة - وبالذات مناخا

جديدا ألغت كل معوقات البيئة الطبيعية الغفل. ونحن نشير هنا إلى الكهرباء بالدقة، فليس مما لا مغزى له أن كل الثورة الإنتاجية والصناعية والحضارية والاقتصادية الهائلة التي خلقها الاتحاد وخلقته إنما يكن مفتاحها في كهرية الاتحاد. وهل من الصدفة البحتة أن تكون هذه قيمة الكهرباء في بيئة مناخية متجمدة بالذات؟ لقد غيرت بالفعل المناخ الذي تجري فيه الحياة اليومية للمواطن، وهي بما أضافته من طاقة اصطناعية بديلا عن طاقة الشمس كانت بمثابة تغيير بالقوة في خطوط عرض الاقليم ذاته كما قد تقول. وما نظن في هذا كثيرا من المبالغة، ولا نعني به بالتأكيد أن نقلل من وزن الإيديولوجيا الحساب التكنولوجيا، ولكن حسينا أنه هو لينين نفسه الذي قال منذ البداية إن و الشيوعية هي كهربة الاتحاد

والواقع أن تأخر وصول الاتحاد إلى الصدارة العالمية حتى آخر مرحلة من التاريخ الحديث، في حين أن الروسيا دولة قديمة نسبيا من الناحية البشرية، إنما يعني أنها كان

لابد أن تنتظر وصول التكنولوجيا ووسائل قهر المناخ البارد إلى ذروتها القصوى، والأمر كله يؤكد ما رأيناه من قبل من تحرك مركز ثقل الحضارة والقوة عبر التاريخ من البلاد الدافئة إلى الباردة بأطراد متصل بدرجة أو بأخرى.

تلك بعض من جوانب التشابه في بداية وصعود كل من الاتحاد والولايات كفوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت