اشتراكية أو شيوعية في جانب آخر. لقد أصبح صراع الأضداد كاملا في كل معنى ومنحى. وهو ما ينقلنا إلى دراسة هذه القوى الاموث المتنافرة والمتناحرة.
القوى الماموث الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي
أوجه التشابه
ويسميها البعض منهما بالقوى الدينوصورية! ورغم تلك التناقضات الجذرية في الموقع والاستراتيجية والإيديولوجية، فإن بين الولايات والاتحاد مشابهات عديدة. فكلاهما دولة حديثة النشأة وقوة عظمى أشد حذائة. فقد نما كل منها بصورة غير ملحوظة بل تكاد تكون في غفلة من العالم. ثم ظهر فجأة في مواضع الصدارة - وعرف العالم بوجودهما وعظمتها في وقت واحد تقريبا.
وإذا كان مفكر مثل دى توكفيل) قد استطاع فيا يشبه نبوءة عراف ثاقبة أن يتكهن في القرن الماضي بارتفائها معا إلى الصدارة العالمية. فإن هذا الارتقاء جدير بأن يستثير الدهشة مع ذلك. فلقد كانت الولايات مخلوقا سياسيا - بل بشريا - صغير السن للغاية، وظل حتى نهايات القرن التاسع عشر قوة زراعية، أما الاتحاد فيخلوق أغرب.
الروسيا وثورة البيئة ففي أغلب تاريخها الحديث كانت الروسيا تعيش عصورها الوسطى إلى حد بعيد، وكانت في عزلة راكدة كاملة عن كل تخمرات أوربا التاريخية من نهضة إلى إصلاح. بل كان أثر حملة نابليون عليها حضاريا بمثابة احتكاك الصليبيات مع العرب على أوربا. وحتى عشية الثورة الشيوعية، كانت الروسيا لم تزل تعيش في رق وإقطاع وبيروقراطية كلها على مستوى بدالي أسيوي أكثر منه أوربيا، حتى شبهت بعملاق متهدل متهالك ينزوي في استحياء على الطرف القصى من المائدة الأوربية، وإنما بحكم ضخامتها وحدها كانت أوسع من أن يهزمها الأوربيون ولكنها أعجز وأكثر تخلفا من أن يأخذوها
هدية.