من أجل السيطرة العالمية ينتقل إلى القوى الضخمة هذه القوى الماموث - الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ..
وبهذا أيضا أو أصلا مضى إلى الأبد عصر القوى الكبيرة التي تدور أحجامها حول الخمسين والسبعين بل حتى التسعين مليونا من السكان، وانتهت تماما كل فرصها في التطلع إلى الصدارة أو السيادة العالمية، وقصارى تطلعاتها اليوم لا يمكن أن تتعدى دول المرتبة الثانية أو الثالثة. ولئن هي كانت لا تزال تستطيع أن تشعل حربا عالمية، فإنها لم تعد بقادرة على أن تطفتها. ذلك يصدق على ألمانيا كما بصدق على كل من بريطافيا واليابان سواء بسواء.
وهنا لن يتعذر علينا أن نرى أن انتقال مراكز الثقل إلى القوى الجديدة ليس إلا استمرارا أمينا لمنطق وحركة وميكانيزم الصراع الذي عرفته قوى غرب أوريا طوال العصور الحديثة. فهذا الصراع الذي بدأ بالبرتغال وإسبانيا في القرن الخامس عشر، ثم انتقل بالتدريج شالا وفي انفراج مطرد حتى انتهى إلى بريطانيا وألمانيا في القرن العشرين، قد تم الآن مساره فزحف شمالا وازداد انفراجا حتى استقر في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيين.
واذا أخذنا في الاعتبار أن الولايات المتحدة كانت بسلاحها الذرى أقوى حربيا من الاتحاد السوفيتي في السنوات التي تلت الحرب مباشرة وحتى منتصف القرن، فيمكن أن نرى أن القوة البحرية كانت الأسبق زمنيا إلى ورائة الصدارة العالمية، ولو أن المنافس البري لحق بها بسرعة غير عادية. وبهذا يكون نفس الترتيب التقليدي في حركة مراكز الصراع عبر التاريخ الحديث قد تكرر في المرحلة العاصرة.
والهم في هذه الانتقالة الأخيرة أن مركز الصراع غادر غرب أوربا نهائيا ولم يعد صراعا بين قوي بحر صرفة، بل بعد أن أصبح صراعا بين قوى بحرية وقوة أمنية لفترة ما في القرن العشرين، انتهى إلى أن يكون صراعا بين قوي برية وبحرية مطلقة. وبهذا التدريج الوئيد استكملت خطوط الصراعات التاريخية نسيجها لتصل في النهاية إلى قية التناقض الجغرافي والاستراتيجي - والإيديولوجي كذلك.
فلأول مرة في التاريخ الحديث لا يخرج صراع القوة عن نطاق غرب أوربا فحسب، وإنما - وقد يكون هذا أشد خطرا وأعمق مغزي - مخرج عن دائرة الصراع بين قوي رأسمالية على الجانبين ليتحول إلى صراع بين قوي رأسمالية في جانب وقوي