الصفحة 348 من 474

و إذا كانت الحرب الأولى تميز بالحرب الجالسة. فإن هذه الحرب (1) امتازت بالحرب الخاطفة الكاسحة Blitzkrieg واستراتيجية الرعب. فكانت الدول الصغرى تسقط في أيام، والكبرى في شهور، والكل في أقل من سنتين! ففي هذا اللدي كانت كل أوربا ابتداء من النرويج حتى اليونان، ومن فرنسا حتى قلب الاتحاد السوفييتي الأوربي، قد سقطت لألمانيا إما بالغزو أو بالضم أو بالانقلاب. وفي هذا التوسع الكاسح أوشكت حدود ألمانيا من الناحية العملية أن تكون هي جيوشها.

وسيلاحظ أن حركة الغزو ترسم دائرة عكس عقارب الساعة. فبدأت بالمسا ثم تقدمت إلى تشيكوسلوفاكيا إلى بولندا إلى النرويج إلى هولندا وبلجيكا إلى فرنسا إلى البلقان. وواضح كذلك أن هذا التوسع الصاعق يتخطى بكثير إمبراطورية نابليون امتدادا وسرعة ولم تعرف أوربا له من قبل مثيلا. ولعل هذا هو الفارق العسكري والاستراتيجي بين آخر حرب في عصر ما قبل الصناعة وآخر حرب في عصر الصناعة. كذلك فإن الحرب العالمية الثانية أقرب في بعض النواحي إلى الحروب النابليونية منها إلى الحرب العالمية الأولى.

كيف إذن انهارت و قلعة أوربا، الألمانية هذه وقد سيطرت على كل موارد القارة؟ لا، بل السؤال أولا: كيف استطاعت ألمانيا و محورها أن يقفوا في صف، وبقية العالم بأسره تقريبا في الصف الآخر ولاشك أن ذلك في ذاته مقياس لقوة ألمانيا الذاتية الكامنة في الموارد و الطاقة البشرية والاستراتيجية التي لا سبيل إلى التقليل منها. ولكن من المحقق أن سيطرتها على كل موارد القارة بعد ذلك هي وحدها التي مكنتها من أن تواجه العالم.

على أن النهاية جاءت لعدة أسباب. فرغم سيطرتها الجوية الحاسمة، فقد عجزت ألمانيا كقوة أمفيية عن أن تعبر البحر إلى جزيرة بريطانيا، مثلا عجز نابليون من قبل رغم سيطرته على القارة برمتها تقريبا. ومن خلف بريطانيا كانت موارد وقوى الكومونولث والإمبراطورية. ولكن أهم من ذلك، بيقين ودون جدال. دور الاتحاد السوفيتي البري والولايات المتحدة البحرية. فلقد كانت معركة الاتحاد - کحملة نابليون - هي بداية النهاية: استنفدت طاقة ألمانيا وامتصت قواها بأبعادها القارية الضخمة، إلى أن تحول الجزر الدفاعي إلى مد هجومي اکتسح قلب ألمانيا. ويكفي لكي ندرك دور الاتحاد في

(1) الجيوبولتيكا، ج 1، ص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت