الصفحة 342 من 474

أما في الجانب الآخر، فقد كانت استراتيجية ألمانيا هي - كما لو بالغريزة - تجميع قوى المنطقة البينية في شرق أوربا ووسطها: الحمسا - المجر، بعض دول البلقان، ثم الدولة العثمانية، وكلمة ودول الوسط Central Powers ، التي أطلقت عليها هي تعبير جغرافي واستراتيجي دقيق بالفعل في هذا الصدد. ومن ثم يبدو المط الجغرافي للصراع واضحا كل الوضوح وبسيطا إلى حد مثير: لقد اجتمعت قوى البر الضخمة في الشرق مع قوى البحر السائدة في الغرب لتصره بين شقي رحى، المنطقة البينية المحصورة بينها.

بهذا حاربت ألمانيا في جبهتين، وحققت في البداية انتصارات داوية فيها، إلى أن انهارت القوة الشرقية الروسيا وخرجت من المعركة وقد خسرت في برست لينوفسك كل مكاسبها الإقليمية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وهي دويلات البلطيق وفنلندا وشرق بولندا. فأصبح الصراع حينئذ بين القوى البينية والقوى البحرية، حيث سادت لفترة طويلة حرب الخنادق أي الحرب الجالسة. ولكن دخول الولايات المتحدة بثقلها في صف القوى البحرية قلب كل توازن وجعل النتيجة حتمية أو هو عجل بها. والواقع أن دخول الولايات المتحدة البحرية هو وحده الذي حدد مصير الصراع.

ومع الهزيمة فقدت ألمانيا كل مستعمراتها عبر البحار، وقلمت رفعتها على القارة بلا هوادة، فانخفض سكانها في فرساي من نحو 18 إلى 60 مليونا، ومساحتها من 208 آلاف ميل مربع إلى 181 ألفا. أما إمبراطورية النمسا - المجر فصفيت إلى كوكبة کالموزايكو من دول مستقلة ملأت وجه شرق القارة صف أوسط من القوى الصغرى يفصل بين الروسيا وألمانيا. هذا بينها تضاءلت تركيا إلى قوقعة الأناضول، وورث الحلفاء الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط والعالم العربي كاستعار بالانتداب. وبهذا ختم نهائيا على مصير دولة الرجل المريض التي عاشت أطول مما ينبغي ومما كان يمكن لها وحدها لولا مضاربات القوى العظمي.

ولكن برغم كل قيود فرساي (أم بسببها؟) ، قفزت ألمانيا مرة أخرى في غضون ربع قرن من الهدنة المسلحة في محاولة أعتى وأشد هولا من أجل السيادة العالمية لاأقل. وكان هذا الهدف أشد تحديدا وقطعا منه في المحاولة الأولى بحكم طغيان الإيديولوجية العنصرية الآرية على النارية الحاكمة. ولاشك أن النازية كنظام فاشستي كانت - جزئيا - نجا للتقليم وذلك الحرمان من المستعمرات الذي نال ألمانيا. فبعكس الحال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت