الصفحة 314 من 474

التجارة عبر البحار. بل إن هذا لأوضح في اليابان منه في بريطانيا، لأن الأولى أفقر كثيرا في مواردها الزراعية وكثيرا جدا في مواردها المعدنية خاصة الفحم والحديد.

ومن الطبيعي بعد ذلك جميعا أن تخرج اليابان كقوة بحرية مثالية كاملة إلى الاستعمار، وأن تتطلع في وقت ما إلى السيادة العالمية أو شبه العالمية. وفي هذا تقف اليابان كالقوة الأسيوية الوحيدة التي - دعك من أن تخضع للاستعمار الأوربي - مارست الاستعمار على قدم المساواة معه. بل وسنهزمه أكثر من مرة لحين أو لآخر، وبهذا كانت أول قوة غير أوربية تهزم قوى أوربية في التاريخ الحديث هزيمة حقيقية.

ولكن اليابان تختلف بعد هذا عن نظيرتها في نواح عدة. فاليابان، لأمر ما، لم تعرف الهجرة بالجملة إلى ما وراء البحار. ولذلك سيظل كل استعارها محصورا في دائرة - على سعنها الهائلة - محلية أساسا لاتخرج عن حوض الهادي الغربي، بعكس الاستعمار البريطاني الذي لف الكرة الأرضية لفا، وربما كان جزءا من السبب في هذا أن اليابان خرجت إلى الاستعمار بعد أن كانت أوسع أبوابه قد أغلقت ولم يبق إلا فتات

المائدة

التوسع الفارى والمحيطي وأخيرا فإن التوسع الاستعماري الياباني ظل منذ بدايته موزعا بين هدفين أساسيين بتجاذبانه فما بينهما من وقت لآخر ولكنه جمع بينهما في النهاية: الأول هو التوسع على القارة، أي توسع بري، والثاني هو التوسع في المحيط، أي توسع بحري. وهذا على عکس بريطانيا التي كان جوهر استراتيجيتها السياسية العزلة عن القارة وعدم التدخل أو التورط في صراعاتها، وقد كان على اليابان أن تصطدم في توسعها هذا المزدوج مع عدد من القوى برا وبحرا.

فعلى البركان الصدام لا مفر منه مع الصين والروسيا، ولهذا لم يكن غريبا أن تعرف منطقة الالتحام بينها وبينها في كوريا الشمالية ومنشور يا بحلبة صراع العالم Cockpit of the World ، أو أن توصف بأنها مهد الصراع Cradle of Conflict (1) ، في حين تعدها اليابان بمثابه بلجيكا وهولندا بالنسبة لبريطانيا، أي بمثابة مسدس مصوب إليها. وسنذكر هنا - بين قوسين - أن هذا هو نفس تشيه بريطانيا للأراضي المنخفضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت