الصفحة 312 من 474

بريطانيا، بينا أن المد السكان فيها أشد علوا، فهي تلفظ أبناءها إلى البحر بدرجة

ملحوظة.

كذلك فإن كلا منها تلقي تعميره وحضارنه أصلا من القارة. ثم عرف فترة من السيطرة على أجزاء من القارة. فقد غزت اليابان كوريا في القرن السادس عشر، بمثل ماملك الإنجليز غرب فرنسا في العصور الوسطى. ثم دخلت كل منهما فترة عزلة، ففي مقابل، العزلة الرائعة و التي عرفتها بريطانيا حينا، فرض الاقطاع الياباني الحاكم على اليابان وفترة العزلة Seclusion Period» الشهيرة التي - حماية لنفسه - حرم فيها على اليابانيين الاتصال بالعالم الخارجي لنحو قرنين تسبق بداية عصرها الحديث.

أكثر من هذا، كان الذي كسر هذه العزلة وتلك عامل لا يخلو من تشابه: غزو الأرمادا هناك، واقتحام الكومودور بيرى هنا. بل أكثر من هذا أيضا، إذا كانت کشوف إسبانيا للعالم الجديد هي التي أعطت بريطانيا موقعها الجغرافي البؤري الجديد، فإن ظهور أمريكا على الجانب الآخر من الحادي هو الذي أعطى اليابان موقعها الحاسم الجديد بعد أن كانت مثلها من قبل في نهاية العالم وعلى هامش المعمورة. وفضلا عن هذا فقد وفر الموقع الجزري الحماية الطبيعية لكل منها. فكما لم يستطع أحد أن يغزو بريطانيا منذ الغزو النورماندي، لم يطأ أحد أرض اليابان منذ محاولة المغول الفاشلة بقيادة كوبلاي خان في القرن الثالث عشر إلا في الحرب العالمية الأخيرة.

لا، ولا ينتهي التناظر عند هذا الحد. فكما كانت بريطانيا أسبق دول أوربا إلى التصنيع وأولاها تمدينا، فكذلك كانت اليابان أولى دول آسيا إلى الأخذ الكامل بالحضارة الحديثة والصناعة المتطورة وبالتالي أدوات القوة الجديدة. وبدأ هذا بعد أن فتح بيرى موانيها للغرب في 1803، وسرعان ما دخلت عصر الانقلاب الصناعى، ربما قبل بعض دول من أوربا نفسها. وفي هذا المعنى صح أن يقال إن اليابان هي أكثر آسيا أوربية بمثل ما أن الروسيا أكثر أوربا أسبوية.

كذلك تشترك اليابان مع بريطانيا في أن كلا منهما بصورة عامة أكثف أو من أكثف وحدات قارئه سكانا، إلا أن اليابان الآن ضعف بريطانيا سكانا. وليس غريبا بعد ذلك أن كلا منهما يعتمد في اقتصاده الجديد اعتمادا كليا على الاستيراد والتصدير، استيراد الخام الزراعي والمعدني على السواء، وتصدير الصناعات بكل مراحلها وأنواعها. ومن ثم فكل منها أبعد مايكون عن الكفاية الذاتية، ويتوقف مصيره على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت