الصفحة 288 من 474

القارة، منها وليست فيها، نجحت بريطانيا في ظل عزلتها وراء المانش في تكوين وحدتها الداخلية مبكرا حوالي القرنين 14، 15، أي معاصرة تقريبا لوحدة فرنسا وسابقة زهاء أربعة قرون لوحدة ألمانيا أو إيطاليا (دور النشأة) .

وبفضل جزريتها وبيئتها الملاحية انطلقت عبر البحار لتكون إمبراطوريتها العالمية وخاضت حروبها الاستعمارية وصراعات القوى حتى وصلت إلى نقطة السمت عقب الحروب النابليونية حين انفردت باحتكار القوة العالمية وبدأ «قرن بريطانيا» (دور الشباب والتوسع) . ومنذ حوالى منتصف القرن 19 دخلت مرحلة النضج، حيث نشرت و السلام البريطاني، بديبلوماسية البوارج المسلحة. وكان كل همها المحافظة على الوضع الراهن وتجميده لأنه يعطيها كل شيء دون أن تخسر أي شيء.

وهنا بالدقة برزت استراتيجيتها السياسية التقليدية والأثيرة، سياسة توازن القوى. التحل محل سياسة القوة والمجابهة. فلا تنغمس ما استطاعت في حروب القوى الصاعدة على القارة، وإنما تضاربها ببعضها البعض لتظل جميعا ضعيفة دائما لا تهدد مكانتها، ولا تتدخل هي إلا مضطرة حين يهدد أحد هذه المكانة، كما فعلت من قبل ضد فرنسا أكثر من مرة وفيا بعد ضد ألمانيا مرتين. وتلك كانت السياسة الانتهازية التي أكسبتها مرارة وتشكك القارة.

وفي تلك الاستراتيجية كان للصراع الأوربي نمط جغرافي محدد تحتل فيه بريطانيا موقعا محددا كذلك. فلقد كان هذا الصراع يستقطب أساسا في ثلاثة مراكز تؤلف و مثلث القوة و الشهير في أوربا: بريطانيا - فرنسا - ألمانيا. وفي هذا المثلث کانت بريطانيا في الرأس والقوة السائدة، بينا داخل رؤوسه كانت الدول الصغرى مثل بلجيكا وهولندا تمثل منطقة الحمود أو التحييد التي تتقابل حتى تتحايد أو تصادم عندها الضغوط. من هنا كانت سياسة بريطانيا التقليدية من ضمان حياد بلجيكا، التي شبهتها شكلا وموضوعا بمسدس مصوب إليها. ومن هنا أيضا كانت بلجيكا وهولندا هي

أرض المعركة في أوربا battlefield of Europe و في كل مجابهات الأقطاب الثلاثة، وهي المجابهات التي نجحت بريطانيا في الانتصار فيها على القطبين المنافسين واحدا بعد الآخر.

على أن الحروب العديدة العنيفة التي خاضتها بريطانيا على القارة وفي المستعمرات عبر البحار كانت تستنزف طاقتها بانتظام وتمتص حيويتها بالتدريج، وخاصة الحربان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت