الصفحة 284 من 474

ولم يكن غريبا لذلك أن تضاعف سكانها أربع مرات في ذلك القرن رغم الملايين التي أرسلت إلى ما وراء البحار خاصة أمريكا (1) . وفي حمى هذه القوة العسكرية المطلقة والرخاء الاقتصادي النادر: لم يكن غريبا - أليس كذلك؟ - أن يصل الصلف والغرور الإنجليزي إلى منتهاه. وأن يظن الاستعمار البريطاني أن الأرض قد دانت له. وأن يتصور نفسه مركز الكون. بل لقد تساءل بعضهم أيامها بالفعل - كذا - عما إذا كان و الله بريطانيا؟ bs God British .. لقد وصل غرور القوة وعبادة الذات، ودعك من واجهة التهكم، إلى حد الكفران!

بيد أن المهم أن بريطانيا إنما بنت دورها هذا على أساس نظريات ومدارس اقتصادية معينة تبنتها أو خلقتها هي حرية التجارة أولا وتخصص الأنتاج ثانيا - ولو أن المبدأين جانبان في الحقيقة لشيء واحد. على أن الذي لم يعد فيه شك الآن حتى عند عتاة الإمبرياليين البريطانيين هو أن تلك المبادئ أبعد شيء عن الحقيقة، بل قلب صارخ هي للحقيقة. فحرية التجارة دعوة تتخفي وراء أعتى أنواع الاحتكار القائم على القوة العسكرية، وهي كما قال بسمارك و سياسة الأقوى .. أما التخصص فكان وسيلة لحرمان المستعمرات من التطور واللابقاء على تخلفها إلى الأبد بحجة الجغرافيا الطبيعية.

والنتيجة أن اقتصاد و عصر بريطانيا، كان في جوهره اقتصاد حرب و اقتصاد قوة. وبغير الأسطول وديبلوماسية الزوارق المسلحة كان مستحيلا أن تظهر، مدرسة مانشستر في التجارة الحرة، وكان السلام البريطاني المزعوم سلام قوة، يقوم على الظلم والقهر ويعتمد على التهديد بالحرب (1) . ومن هذه الحقيقة بالذات ستنبعث جرثومة الحرب العالمية الأولى، وهي النقطة التي تعين أوج القوة البريطانية على الأرجح والتي بعدها بدأ الانحدار التدريبي الذي استكمل في الحرب الثانية فكان بداية نهاية بريطانيا كالقوة العظمى الأولى في العالم.

دورة حياة الإمبراطورية وما دمنا قد وصلنا إلى هذه النقطة، فلعل من المفيد كما هو من الضروري أن ننظر نظرة كلية شاملة إلى تاريخ وتطور القوة البريطانية كدورة حياة من النشأة إلى الصعود

(1) فوست، ص 427.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت