البشري، فكان عليها أن تبني سورها الصناعي العظيم في وجههم - دون جدوى. ويسجل التاريخ موجتين هامتين في تلك الفترة، غزوة كبرى في القرن الثالث ق. م كان من جرائها مباشرة بناء ذلك السور، ثم موجة أخرى في القرن الثاني الميلادي.
و غربا
غربا أما غربا، فقد اتخذ الاستبس طريقين ووجهتين، أولا طريق الاستبس المرتفع على طول هضاب ومرتفعات وسط وجنوب غرب آسيا ابتداء من منغوليا حتى إيران. والوجهة هي الشرق الأوسط الخصيب. فهؤلاء هم الذين أسقطوا آشور، ومنهم جاء الهكسوس إلى مصر، ولعل موجة الهكسوس هي الموجة الوحيدة في التاريخ القديم التي استطاعت أن تضرب من قلب الاستبس بعيدا إلى حد الوصول إلى مصر، ولكن الهكسوس لم يخضعوا مصر جميعا بل شمالها فقط، ولم يلبثوا فيه طويلا عند ذلك.
أما الطريق الثانية فهي الاستيس المنخفض على طول السهول العظمى في قلب آسيا وشرق أوربا ابتداء من طوران حتى المجر. وكان هذا في الحقيقة أخطر طريق طرقه الاستبسيون وارتبطوا به و ارتبط بهم. ولهم معه ميكانيكية خاصة فريدة في بابها وخطيرة في نتائجها. فكمر سهلي قاري متصل Durchgangsland تتجاوب أجزاؤه كما لو بقانون الأواني المستطرقة، كانت كل حركة تبدأ من القلب - قلب الاستبس في آسيا - تدفع بالجماعات الرعوية الواقعة غربها، فتدفع هذه بما بعدها غربا، وهكذا حتى تدفع الأخيرة الزراع في شرق أوربا ووسطها (1) .
وبهذا التأثير والدفع غير المباشر لعب الاستبس الأسيوى دورا خطيرا في تشكيل تاريخ وتكوين أوربا، حتى أصبح تاريخها منذ ذلك الحين لا يفهم إلا كجزء في الحقيقة من تاريخ أوراسيا ككل (3) . ولما كان الجيران المباشرون للإمبراطورية الرومانية هم برابرة التيوتون والحرمان الذين جمعوا بين الرعي والزراعة، فكثيرا ما كانت حركات البرابرة الأسيويين تنتهي بتحريك البرابرة الأوربيين ليغيروا على الإمبراطورية.
في أوائل العصر المسيحي، وخاصة في القرنين الثالث والرابع، اشتدت غارات القبائل الجرمانية من الألماني Alemanni والقوط و الوندال والفرائك و الفرنجه، على
(1) جمال حمدان، أنماط من البيئات، القاهرة، 1977، ص