الصفحة 274 من 474

متوره متفجر تبريرا للتوسع الاقليمي، هو تكتيك الأمر الواقع Realpolitik ک ا سمي في ألمانيا. fait accompli ک ا عرف عن إسرائيل، وفي النهاية وفي النتيجة، فقد تعين في حالة إسرائيل كما كانت حالة ألانيا، أن تصبح حدودها هي جيوشها، وجيوشها هي حدودها. وإذا كان هذا من معنى - أي معنى - فهو على الفور أن الشرق العربي لا يمكن أن يتسع للعرب وإسرائيل معا، فوجود أحدهما نفي لوجود الآخر، ولكي يبقى أحدهما لابد أن يذهب الآخر، أما من يبقى ومن يذهب فأوضح - علميا - من أن يذكر.

ثامنا. وأخيرا. فإن إسرائيل من البداية إلى النهاية استعار من الدرجة الأولى والثانية معا. استعمار بالأصالة والوكالة في نفس الوقت. ونقصد بذلك أن إسرائيل قامت وأقبت بفعل ولحساب نفسها والصهيونية العالمية، وكذلك قامت وأقيمت بفعل ولحساب الاستعمار العالي. فبالنسبة إلى الصهيونية العالمية، فإن الدولة اليهودية ملجأ من الشتات وأخطاره المحتملة أو الموهومة - بوليصة تأمين كما وصفت - ووثيقة الاستثماراتها المالية الاحتكارية، ولكن تحقيقها في البداية وبقاءها بعد ذلك لم يكن ممكنا بغير المشاركة الكاملة للاستعمار العالى الذي تطابقت إلى حد التاثل خططه ومصالحه.

فهي بالنسبة إليه قاعدة متكاملة آمنة عسكريا، ورأس جسر ثابت استراتيجيا، ووكيل عام اقتصاديا. أو عميل خاص احتكاريا. وهي في كل أولئك تمثل فاصلا أرضيا يمزق اتصال المنطقة العربية ويخرب تجانسها ويمنع وحدتها، واسفنجة غير قابلة للتشيع تمتص كل طاقاتها، ونزيفا مزمنا في مواردها، وأداة جاهزة لضرب حركة التحرير وإسرائيل بهذا المعنى دولة مرتزقة لا شك: تعمل مأجورة في خدمة الاستعمار العالي، بمثل ما هي صنعه وصنيعته وربيبته. .

هذا الالتقاء والتداخل العميق بين مصالح الصهيونية والإمبريالية العالميتين هو مفتاح الوجود - والمصير الإسرائيلي برمته، وهو الذي يفسر كثيرا من مظاهر الغرابة والتفرد فيه، فالاستعمار العالمي هو الذي خلق إسرائيل بالسياسة والحرب، وهو الذي يمدها بكل وسائل الحياة من أسلحة وأموال، ثم هو الذي يضمن بقاءها ويحميها علنا. ولذلك فإنها تكاد تكون الحالة الوحيدة في العالم تقريبا التي تجسدت فيها آخر مراحل الاستعمار القديم وأولى طلائع الاستعمار الجديد، فهي کجسم استعاري واقع تمثل استعارا قديما، ولكنها بدور الاستعمار العالى في كيانها وأمنها تمثل أداة وقاعدة للاستعمار الجديد. كذلك فإنها - إسرائيل - تكاد تكون الأرض المشتركة الوحيدة تاريخا ولقاء،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت