الخصائص الاستعمارية تلك هي الحقائق الأولية البحتة في قيام ووجود إسرائيل، منها يمكن للجغرافي السياسي أن يحدد في إطار موضوعية العلم المطلقة التشخيصات والنتائج الآتية:
فأولا، إسرائيل - كدولة - ظاهرة استعارية صرف. فهي قد قامت على أغتصاب غزاة أجانب الأرض لا علاقة لهم بها دينيا أو تاريخيا أو جنسيا: وإن زعموا عکس ذلك تماما ودواما. دينيا، لأن رؤيا العودة الخرافية والوعد الأسطوري المزعوم لا أساس لها أو سند من الدين وإلا لجازت نفس العودة لبقية الأديان، فضلا عن أنه ليس على أصحاب دين أي التزام بدعاوى أصحاب دين آخر. وتاريخيا، لأن علاقة اليهود بفلسطين انقطعت تماما منذ نحو 20 قرنا. وجنسيا، لأن هناك ر يهودين، في التاريخ، قدامي و محدثين، ليس بينها أي صلة أنثروبولوجية مذكورة. ذلك أن يهود فلسطين التوراة بعد الخروج تعرضوا لظاهرتين أساسيتين طوال 20 قرنا من الشتات في المهجر: خروج أعداد ضخمة منهم بالتحول إلى غير اليهودية، ودخول أفواج لا تقل ضخامة في اليهودية من كل أجناس الهجر. واقترن هذا بتزاوج واختلاط دموي بعيد المدى، انتهى بالجسم الأساسي من اليهود المحدثين إلى أن يكونوا شيئا مختلفا كلبة عن اليهود القدامى، ولم يعد اليهود اليوم من نسل بني إسرائيل التوراة بأي نسبة ذات بال (1) . .>
وبهذا فإن عودة اليهود إلى فلسطين بالاغتصاب هو غزو وعدوان غرباء لا عودة أبناء قدامي، أي استعار لا شبهة فيه بالمعنى العلمي الصارم. وإسرائيل بالتالي تمثل جسما غريبا ودخيلا مفروضا على الوجود العربي، أبدا غير قابل للامتصاص، ولكنه حتى الآن غير ممكن اللفظ، وبين هذا وذاك يبقى عنصر اضطراب وتهيج ومضاعفات سياسية. وبتعبير آخر يبقى بؤرة حرب كامنة ومفجر صدام استعماري - تحريري مسلح.
ثانيا، إسرائيل استعار طائني بحت، والدولة دولة دينية صرفة. فهي تقوم على تجميع اليهود، واليهود فقط، في جيتو سياسي واحد، ومن ثم فأساسها التعصب الديني ابتداء. وإذا كان من الواضح أنها بذلك تمثل شذوذا رجعيا في الفلسفة السياسية للقرن العشرين الذي لا يعرف أو يعترف بالدول الدينية، فإنها في الواقع تعيد إلى الحياة
حفريات العصور الوسطى بل القديمة، ومنطق العصور القبلية المتحجرة. وهي كذلك
(1) جمال حمدان، اليهود أنثروبولوجيا، القاهرة، 1999، من 110 وما بعدها.