وتفسير ذلك أن مركب الفحم والحديد - وهو اصدفة جيولوجية، إما لك و إما عليك - قد أصبح أساس القوة الجديدة. ولهذا جاء الانقلاب الصناعى لينهى إلى الأبد الصراع على السيادة العالمية بين فرنسا وبريطانيا. ذلك الذي كان أبرز طابع في القرن الثامن عشر. وليضع بريطانيا في الصدارة المطلقة طوال القرن التاسع عشر. لكنه خلق لها - بالمقابل - منافسها المقبل - ألمانيا - ليصبح النصف الأول من القرن العشرين هو عصر الصراع العالى بين بريطانيا وألمانيا. ثم ليختزله بسرعة ليضعنا مع بداية النصف الثاني من القرن في مواجهة صراع جديد من قدر أضخم وأعظم هو هذا الذي نعيشه بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
تلك إذن هي الخطوط العريضة في الانقلاب الصناعي كمحرك وضابط للاستعمار والصراع الدولي. وعلينا الآن أن نتقدم أولا إلى دراسة الاستعمار في هذا القرن المفعم خارج القارة فنبدأ بالتعمير ثم تردفه بالاستعار. ثم نعود ثانيا إلى القارة لنحلل محاور صراع القوى داخلها ثم خارجها، فتبع حركة انتقال مركز القوة العالمية ونتابع ظهور القوى الجديدة واحدة بعد الأخرى - بريطانيا ثم الولايات المتحدة ثم اليابان فألمانيا - حتى نصل إلى قمة الصراع في العصر الصناعى وهي الحروب العالمية في القرن العشرين.
تعمير المعتدلات: الاستعمار الاستيطاني ينبغي لنا أن نميز بين ظاهرتين بارزتين في القرن التاسع عشر: الأولى هي التعمير: أي خروج أوربا إلى القارات والأقطار الجديدة بقصد السكنى والاقامة الدائمة فيها واستبدالا الوطن بوطن آخر. أي بقصد الاستعمار الاستيطاني أو السكني. والثانية هي الاستعمار بمعنى الغزو والتملك السياسي بقصد استغلالها لا التوطن الدائم فيها، أي بقصد الاستعمار الاستغلالي أو الاستراتيجي.
ولعلنا نذكر أن أغلب القارات الجديدة قد استعمر بالغزو في ظل الانقلاب تجاري، ولكن تيار الهجرة طوال قرون أربعة لم يزد عن بضعة ملايين معدودة. مثلا لم يكن عدد المعمرين البريطانيين في أمريكا الشمالية حتى سنة 1700 ليزيد عن 300 ألف، ولم يكن عدد البيض في مستعمرات إسبانيا في أمريكا حتى سنة 1820 ليزيد عن 3?29 مليون أغلبهم نتيجة للتزايد الطبيعي). أما التعمير الحقيقي فلم يحدث إلا في ظل الانقلاب