التوطن. فمن ناحية حرك الانقلاب و ثورة ديموغرافية، عارمة لم تعرف البشرية لها مثيلا من قبل. ففي القرن التاسع عشر ارتفع سكان أوربا من 187 مليونا في 1800 إلى 4
1 مليون في 11900)، وأصبحت أوربا متخمة بفائض سكاني تحول بالهجرة إلى طفح بشرى خرج من القارة الطوفان ليتوطن نهائيا في المستعمرات والأقطار الجديدة.
ومن ناحية أخرى كانت النظم الاقتصادية والاجتماعية الجديدة التي خلقها الانقلاب الصناعي من أهم الضواغط التي دفعت إلى الهجرة من أوربا. فالصراعات الطبقية والاضطرابات السياسية والثورات العديدة والضغوط المادية والانسانية على البرولتارية الكثيفة المسحوقة كانت عوامل طرد مباشرة و محققة، وليس من الصدفة أن موجات الهجرة من أوربا تتعاصر زمنيا مع تواريخ الثورات الكبرى التي تنقط مجرى القرن الصناعي ابتداء من 1830 إلى 1848 إلى 1870 (2)
الصناعة والقوة ومع ذلك فلولا ما أحدث الانقلاب الصناعى من ثورة في وسائل النقل البري والبحرى بالجملة ومن تسهيلات الحركة التي لم تعرف قط من قبل، لما استطاع هذا التيار الكاسح أن يتحقق. وبعد هذا فإنه الانقلاب الصناعي وحده، بما أنتج من علوم وفنون وطب ووسائل صحية ومخترعات تدفئة صناعية وتكييف .. الخ، هو الذي خلق الظروف البيئية المعقولة واللاحمة للسكنى والتوطن في جبهات الريادة القارية تلك. باختصار إذن. لقد جعل الإنقلاب الصناعي من الاستعمار حاجة وإمكانية في نفس الوقت.
يبقى أخيرا أن الانقلاب نفسه كان عاملا حاسما في تحديد مصاير الصراع الاستعماري وصدامات القوى، فندگان نمط القوة السياسة و توزيع مواطنها الطبيعية natural sealts of power يتحدد في العصر التجاري بيعدين أساسيين، هما موارد الزراعة المحلية وموارد الموقع التجاري. ولكن جاءت الصناعة لتضيف بعدا ثالثا وفيصلا، أعاد تقيم الأوزان الجغرافية للأقاليم والدول المختلفة، وأحدث انتخابا جغرافيا جديدا للقوى السياسية، فاستبعد البعض من الصدارة ودفع البعض إلى المقدمة وخلق البعض جديدا أو من جديد.