الصفحة 206 من 474

محاولة لاختزال الكرة الأرضية - اقتصاديا - في نقطة. وكما يتفق، فإن أخطر طرفين في هذه العملية هما العروض المعتدلة والمدارية.

والصناعة بعد هذا لا تخرج من حمى البحث عن الخامات وموارد الخامات، إلا التدخل في حمى البحث عن الأسواق لتصريف ما قد أنتجت. ولذا فالصناعة محمومة أبدا بتركيبها الذاتي، وترياقها كما تصورت وكما لازالت تتصور هو الاستعمار، والاستعمار المداري بالذات. من هنا انطلقت القوى الاستعمارية الصناعية إلى استعمار المداريات الجديدة. أو تعميق استعارها للمداريات القديمة. فإذا كان استعمار الكشوف والعصر التجاري كما رأينا , اندفاعا نحو الشرق Drang nach Osten ، (وإن كان بعض هذا، الشرق و غربا في الحقيقة) ، فإن استعمار الانقلاب الصناعي هو أساسا، اندفاع نحو الجنوب Drang nach Siden . الأول استعمار خطوط الطول، والثاني استعمار خطوط عرض كا قد نقول.

ليس هذا فحسب، و إنما خلقت الصناعة أيضا المجتمع الذي يحض على، و يؤدي إلى: الاستعار كواقع وكمثال. فلقد ولد الانقلاب الصناعي في إرهاصات تغيير اجتماعي من الاقطاع إلى البورجوازية ترمز له الثورة الفرنسية، وجاء هو بعدها بعقدين ليقفز بهذا التغيير إلى ثورة اجتماعية سياسية كاملة وجذرية، فالانقلاب الصناعي تمخض عن الرأسمالية وخلق المجتمع البورجوازي الرأسمالي الذي هو في صميمه مجتمع تنافسي ملكي ونوسعي.

ولهذا فلم يكن منتهاه وقصاراه خلق طبقات اجتماعية متعارضة متصارعة داخل الدولة ممن يملكون وممن لا يملكون Haves & Have nots . من البورجوازية والبرولتارية، وإنما خلق معها طبقات سياسية متنافرة بين الدول المختلفة ممن يملكون ومن يملكون

كذلك لعب الانقلاب الصناعي دورا خطيرا ومباشرا في المكين للاستعمار والتعمير، فقد قدم معا وفي وقت واحد و جسم، التعمير وضواغط التهجير وأداة الحركة وظروف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت