أحيانا كانت إنجلترا تصادق الروسيا وتقف موقف برود إزاء تركيا عنادا في فرنسا التي تساعد تركيا. وأحيانا تساعد بريطانيا تركيا معارضة لفرنسا حين نتفارب هذه مع الروسيا. أي أن الصراع الداخلي بين الأشباه البحرية كان ينعكس على مواقفها من صراع تركيا مع الروسيا، ولكن في كل الحالات لم تكن تركيا تعدم قوة ما منها في جانبها. ولعل حرب القرم في سنة 1853 هي أبرز وأخطر مجابهة من بريطانيا للروسيا في تهديدها لتركيا. وقد انتهى الصراع بفشل الروسيا في السيطرة على المضايق. وإذا كان قد قيل إن هذاكان أول التحام مباشر ومواجهة بين الفيل (الروسيا البرية) والحوت في بريطانيا البحرية)، فهل نضيف من جانبنا أنه كان يدور حول التمساح (تركيا الأمفيبية) ؟
أيا ما كان، فلقد أدركت كل من فرنسا وبريطانيا بالتدريج بعد ذلك خطأ مواقفها التكتيكية المتعارضة السابقة إزاء كل من الروسيا وتركيا والتي حكمتها مناورات العداء بينهما في الوطن، وسرعان ما أيقنتا وحدة مصالحها الاستراتيجية العميقة ضد الروسيا وبالتالي مع تركيا. ومن حينها أصبحت سياستها المشتركة المتصلة هي تدعيم تركيا وحقنها بكل المساعدات الحربية والسياسية لتكون درعا ضد توسع الروسيا ونطاقا صحيا حولها (1) . وللغزي الاستراتيجي واضح كل الوضوح: في صراع القوى البحرية (فرنسا وبريطانيا) ضد توسع قوة البرد الروسيا)، كانت قوة بينية (تركيا) هي أرض المعركة الطبيعية، ولا كانت هذه مهددة بالسقوط أمام قوة البر فقد إجتمعت قوى البحر لتسندها وتدعمها.
حتى حين هدد قطاع من المنطقة البينية - مصر محمد علي - کيان تركيا وأنذر بأن يرث السيطرة على تلك المنطقة، اتضحت نفس الاستراتيجية، فقد تكلفت توتا البحر فرنسا وبريطانيا بكبت الحركة بالقوة في سوريا. وهذه الاستراتيجية وحدها هي التي أطالت عمر رجل أوربا المريض أكثر مما كان يمكن له، ومنحته و سلفة و جديدة من الحياة بكل الوسائل الاصطناعية.
ومع ذلك فلم يجد هذا كثيرا. فقد اجتمعت طرقات الروسيا البرية مع طرقات إمبراطورية النمسا - المجر البينية ضد تركيا البينية طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في البلقان. فالنمسا - التي استطاعت بعد حصار الأتراك لفينا في القرن السابع عشر، وبفضل موقعها الجغرافي، أن تطردهم خطوة خطوة من المجر خلال القرن الثامن عشر وأن