الصفحة 170 من 474

فكثيرا ما كان الحكم المغولي والتتري مرادفا للنهب والتخريب وحرق المدن الكبرى ومضاربتها ببعضها البعض، مما رد حضارة المدن الروسية المتطورة إلى دور البربرية والهمج أحيانا. ولكنه أساسا فرض عليها العبودية والرق والذل باستمرار. وإلى هذا النظام. بل وإلى ضرورات مراحل الكفاح والحرب ضده فيما بعد، برجع الكثيرون أصول الاستبداد الروسي القيصري الحديث، بل ويتتبع استمراره في النظام الشمولى الشيوعي المعاصر، على أساس أن الرفاق الجدد هم القياصرة الجدد، ومعنى أن الدولة البوليسية السوفيتية إنما يرجع أثرها وأصلها إلى حكم التتار،، وبمقولة أن الحكم في الروسيا لم يكن يوما طوال تاريخها إلا حكما استبداديا ديكتاتوريا، وبالتالي بدعوى أن الاستبداد والطغيان تقليد طبيعي في تاريخ الروسيا وأنه لا تقاليد للحرية بها داخليا (1) .

ومهما يكن الرأي، فيكفينا أن يلخص لنا كارل مارکس نفسه القصة بأسلوبه وبألفاظه، فكما يقول: إن «المستنقع الدموي للاستعباد المغولى هو مهد روسيا القديمة. وليست روسيا الحديثة إلا شكلا جديدا للروسيا القديمة [ ... ] لقد نشأت الروسيا ونمت في مدرسة الرق المغولى الرهيبة، ثم ازدادت قوة بأن أصبحت أمهر من عرف صناعة الاستعباد والرق، وحتى بعد أن تحررت فإنها واصلت أداء دورها التقليدى للعبد الذي أصبح سيدا، (2) .

التوسع القيصري هذه وحدة الروسيا القومية تتم إذن في توقيت لاختلف كثيرا، وإن تخلف قليلا، عما حدث في الدولة الوطنية الحديثة في غرب أوربا، وكما خرجت هذه إلى التوسع والاستعمار عبر البحار غربا وجنوبا، سنجد الروسيا تخرج بدورها وفي توقيت معاصر تقريبا للتوسع والاستعمار، ولكن برا، شرقا وجنوبا. هنا نداء البحر وهنا نداء السهول، وكل يغرى بالتوسع ويدعو إلى بناء الإمبراطورية

وكما في غرب أوربا، يمكن أن نميز بين موجتين رئيسيتين من التوسع الروسي: الأولى في القرنين السادس عشر والسابع عشر واتجهت کمثيلتها في غرب أوربا إلى عروض شمالية باردة ومناطق شبة خالية من السكان، وكانت أقرب إلى التعمير البشري منها إلى الاستعمار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت