وعند هذا الحد سنلاحظ أنه إذا كانت فجوات الغابة هي القوقعة التي تبرعمت فيها إمارات الروسيا، فإن الأنهار كانت الشرايين التي ربطت بينها أولا ثم توسعت على طولها ثانيا. والواقع أن نمط الأنهار في الروسية الأوربية، الذي يتشعع من الوسط من نقطة مركزية في جميع الاتجاهات. يجعل التوسع سهلا تلقائيا حتى ليعتبر إيست أن تاريخ الروسيا السياسي تاريخ نهري أساسا. ولاننسي كذلك طبيعة الاقليم كسهل متجانس مترام. بدعو بطبيعته إلى الوحدة السياسية وضخامة الدولة. ومن مجموع هذا وذاك تخرج بدولة من حجم وصفات قارية لاشك فيها.
كذلك لابد أن يستوقفنا في ظهور الروسيا إخضاع الغابة للاستبس. فلقد طالما أخضع الإستبس الغابة أو على الأقل حصرها حبيسة في قوقعتها. ولكن منذ اختراع البارود انقلب الميزان الاستراتيجي من أساسه رأسا على عقب انقلابا تاريخيا بالغ الخطورة والدلالة. فقد ضاعت معه ميزة حركة الفرسان وسرعة انقضاضهم: وضاع إلى الأبد تفوق الرعاة الغزاة على الزراع المستقرين. وأخذت الصورة تنعكس، فإذا بجيوش الزراع ومدفعينهم هي التي تغزو الآن فرسان الاستبس وتخضعهم لأول مرة (2) . بل لقد اتخذت الغابة من فرسان الاستبس القوزاق، پوليسا، بحرس الاستبس من الجماعات الرعوية الأخرى. أو كما عبر البعض. لقد تغلب و الدب» على «الحصان، بعد أن ظل هذا محاصره طويلا و يغلقه في قلب الغابة.
ولهذا فقد كان ظهور الروسيا الحديثة إيذانا باغلاق محمر الاستبس الأوراسي وانتهاء طوفاناتهم إلى الأبد. وبعد أن كانت الخريطة السياسية للروسيا مابين القرن العاشر والخامس عشر تتألف من مجموعتين أساسيتين من الإمارات والدويلات: كوكبة روسية سلافية شال الخط، خط الغابة - الاستبس، وكوكبة سريعة التغير من الولايات الرعوية الاستبسية جنوبه. ابتداء من الخزر إلى البلغار حتى المغول والتتار، نقول بعد هذا أندمجت الروسيا جميعا في دولة مركزية واحدة موحدة.
غير أن دور الاستبس أو الحكم المغولى التتري لم ينته إلا بعد أن ترك بصمته بعمق ليس فقط على تاريخ وتطور الروسيا الحديثة ولكن أيضا على كيانها وشخصيتها المعاصرة ربما.