إذا تلاقت جميعا وسيطرت إحداها في النهاية كانت تلك بداية التوحيد السياسي للروسيا الحديثة. وبهذا أيضا أصبح خط الغابة - الاستبس خطا سياسيا بالغ الأهمية.
ولقد كانت کيف -، أم المدن جميعا، - هي أولى تلك الإمارات. حيث ظهرت في القرن التاسع. وبعدها ظهرت كوكبة من مدن الغابه التجارية أهمها: نوفجورود. ولكن طرقات رعاة الاستبس لم تنقطع، وكثيرا مادفعت تلك المدن الجزية لهم وخضعت السيطرتهم، حتى سقطت كييف في القرن الثالث عشر للمغول (جنكيز خان) . الذين اتخذوا عاصمتهم على الفولجا الأدني. وقد ساعد على سقوط كييف وقوعها على تخوم الاستبس، هذا بينا نجت نوفجورود لتوغلها في الغابة. ولذا انتقلت إليها الأهمية. إلى أن بدأت إمارة موسكو (مسكنا) تظهر في موقع أكثر مناعة وتوسطا بين الفولجا ورافده الأوكا أو ما يسمى أحيانا و مابين النهرين الروسية Mesopotamia Russian ، فأخذت تسيطر منذ أواخر القرن الثالث عشر.
وقد استمر حكم المغول والتتار لجزء كبير من الروسيا نحو 200 سنة، حين استطاع إيفان الأكبر من قاعدة دوقية موسكو أن يضع نهاية له في أواخر القرن 10 (1980) . ولكن حتى بعد هذا فإن الروسيا لم تنج من موجات التيار المتكررة وغاراتها المخربة التي كانت تستهدف السلب والنهب والأسر واختطاف العبيد. ولمقاومة هذا الخطر الداهم الدائم دخلت الروسيا لفترة طويلة في حرب شاملة شبه مستمرة طوال العصور الحديثة تقريبا: وهكذا كان الخطر المغولى التتري - خطر الاستبس - هو أول وأطول خطر خارجي شکل تاريخ وتكوين الروسيا الحديثة.
على الجانب الآخر ما أن انتهى القرن الخامس عشر حتي کانت موسكو خلال قرنين من التوسع المستمر قد أخضعت جميع الإمارات الأخرى بعد أن ربطت بينها الأخطار الخارجية. وقد استطاع إيفان الأكبر وحده أن يوسع رقعة السيطرة المسكوفية إلى ثلاثة أمثالها حتي امتدت من البلطيق إلى الأورال. وبهذه الوحدة، وبفضل فرسان القوزاق.
خرجت الدولة من قوقعة الغابة لتزحف جنوبا حتى تخضع استبس جنوب الروسيا - استپس الكيبشاك Kipaluk - في مدى 50 عاما، كما دخلت في صراعات متصلة مع بولندا حول أوكرانيا. وقد كان بطرس الأكبر - أواخر القرن السابع عشر وأوائل الثامن عشر- هو الموحد الحقيقي للروسيا. ومما لاشك فيه أن دور الاستبس قد أخر الوحدة القومية في الروسيا عنها في أوربا لفترة ما. ولكن بعد إخضاعه وضمه بدأ زحف سكاني روسي ضخم نحو الجنوب وصل إلى أقصاه في القرن التاسع عشر حين أصبح حركة عارمة تاريخية حقا.