هذا على أنه يعني انتقال التفوق إلى البلاد الشمالية، فلا ينبغي أن ينسوا أنه يعني كذلك تخلفها في البداية.
واللهم أنه في هذه الحركة تأخذ ميكانيكية الصراع بين القوى البحرية - الذي هو صراع أشباه أساسا من أجل التصفية النهائية للقوة العالمية - تأخذ نمطا محددا ومتواترا بصورة مثيرة، فهي تبدأ بدولة رائدة صغيرة بحرية جدا بحكم الموقع والطبيعة، تلحقها دولة متاخمة أكبر حجما وأقل بحرية، لا تلبث بحكم جرمها أن تحطم قوتها، ولكنها تعجز عن أن ترث دورها، وإنما تلتقطه ببراعة دولة أخرى صغيرة بحرية جدا إلى الشمال. هكذا
ظهرت البرتغال أولا وتلتها إسبانيا لتحطمها بعد قليل، فترثها هولندا، ثم تلى هولندا على: المسرح فرنسا لتحطم هولندا وشيکا، فترثها بريطانيا. وسنرى فيما بعد إلى أي حد ستستمر أو تنتهي هذه الميكانيكية الفذة في بقية مراحل الاستعار الحديث.
الموقع والموضع رابعا، في هذا الصراع لم يكن البقاء لمن يملك القوة البحرية وحدها، بل والقوة البرية إلى جانبها. فقد كانت القاعدة الأرضية القومية العريضة هي الضمان الأخير لبقاء تلك القوة البحرية، فإذا كانت الدول المحرومة من القوة البحرية لم تخرج إطلاقا إلى الاستعمار مها ملكت من قوة برية، فإن الدول التي تملك القوة البحرية دون قاعدة برية متكافئة تسندها وتدعمها، قد تخرج إلى عالم الاستعمار قليلا أو كثيرا ولكنها لا تلبث أن تنقرض في النهاية. أما النجاح الأكبر فللدول البحرية القوية ذات القاعدة البرية الضخمة (1) . وبمعنى آخر، فإن: الموقع، البحري الأمثل وحده لا يكفي و إن أعطى أحيانا ميزة السبق، وفي المدى الطويل يلعب و الموضع و دورا تحديدها أخطر وأكثر بقاء. كما كان السمك الكبير - بعني - يأكل السمك الصغير في المستعمرات , كان السمك الأكبر بين القوى الاستعمارية البحرية بأكل السمك الأصغر
استعمار ساحلي خامسا: إذا كان الاستعمار قد قرع أبواب أغلب القارات في تلك المرحلة، فقد ظل في جوهره ساحليا أو شبه ساحلي بدرجة أو بأخرى، ولو أنه كان أعمق توغلا في قارات