ومعنى هذا أن استعمار الكشوف خلق طبقة جديدة قوية تنافس الطبقة القديمة التقليدية التي كانت تحتكر السلطة والحكم في المجتمع. فالصراع الجديد هو في الحقيقة صراع بين أصحاب الموارد المحلية في الوطن، وأصحاب الموارد المتدفقة من عبر البحار. ولقد كانت الثورة الفرنسية هي نقطة الانكسار العنيفة في هذا التطور حيث التحمت البورجوازية للتعاظمة - على فيض مكاسب مستعمرات ما وراء البحار - التحاما نهائيا مع بقايا الإقطاع الزراعي المتحفرة وختمت على مصيرها ووضعت بذلك جرثومة أو خميرة الرأسمالية الناشئة. وبمعنى آخر، فإن الكشوف قد ثورت الكيان السياسي والاقتصادي والاجتماعي الدول أوربا البحرية تثويرا، وكانت بذلك الأساس لهيكل النظام الجديد.
ومن المحتمل أنه لو لم تحدث الكشوف الجغرافية لتأخر الانتقال من الحقب الاقطاعي إلى الحقب البورجوازي کثيرا أو قليلا. ولعلنا كذلك لا تسرف في التصور إذا قلنا إن هذا التطور من الأقطاع نحو البورجوازية كان يمكن أن يكون أصلا وأساسا من نصيب الشرق العربي عامة ومصر والشام خاصة لو لم يكن قد حدث هذا الأسر التجاري الكامل. ولعل هذا أيضا أن يفسر لماذا تجمد المجتمع العربي الوسيط على النمط الاقطاعي حتى خضرم فيه إلى صميم القرن التاسع عشر بل والعشرين حين قفز مرة واحدة من الأقطاع إلى الرأسمالية دون أن يمر بمرحلة البورجوازية بمعناها الكامل. لقد ورث غرب أوربا الجديد دور الشرق العربي القديم ليس موقعا ووظيفة فحسب، ولكن ورث قدره السياسي والاجتماعي كذلك.
ميکانيزم الصراع ثالثا، پرتبط صراع القوى السياسية ارتباطا وثيقا جدا بالصراع الاستعماري. فمن أجل الصراعات الداخلية بين القوى الأوربية في القارة خرجت للحصول على المستعمرات لتعود أقوى وأقدر على تلك الصراعات، ومن أجل الحصول على المستعمرات كانت القوى الأوربية تتصارع فيما بينها على القارة (1) . من ثم كان النشاط الاستعماري ظاهرة و معدية، وقد تحرك مركز الثقل في النشاط الاستعاري وفي صراع القوة حركة قاطعة من الجنوب إلى الشمال بصرامة ما بين البرتغال جنوبا حتى بريطانيا شمالا. ولعل هذا جزء واضح المعالم من نظرية هجرة الحضارة والقوة نحو العروض الشمالية. وإذا فهم البعض
(1) للرجع السابق، ص 57.